هل صحيح البخاري صحيح؟

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

كتب بعض الناس: “من يقول: إن كل ما في البخاري صحيح يلزمه أن يتصبح بسبع تمرات من تمر المدينة، ثم يتحسى السم بعده تصديقاً لحديث البخاري إنه لن يضر”.
فأرسل إلي شيخنا الكريم مجد مكي هذا الكلام المستهزئ بأصح الكتب بعد كتاب الله جل وعلا، وسألني: ما رأيكم عن هذا؟

يظهر من صياغة الرجل كلامه أنه لم ينو استطلاع صدق خفي عليه، ولا تحقيق مسلَّمة علمية استشكلها استشكالا، ولكنه تسرع إلى التهكم فِعلَ متهور حانق وأرعن معاند، فترفع العلماء عن الرد عليه إكراما لأنفسهم وصيانة لأوقاتهم الغالية من أن تضاع وراء طيش الطائشين وهوس المتهوسين، وإنما دفعني إلى الكشف عن عواره أمران: أحدهما سؤال شيخنا الجليل مجد مكي إياي، فسؤاله أمر، والثاني أننا في عصر قد فشا الجهل فيه، وأخشى أن يضلِّل كلام هذا الأخرقِ الرعاعَ ممن ليس له معرفة بالحديث ومعانيه، فأجبت عنه متوكلا على ربي بما يلي:

معنى الصحيح:

يجب أن يعلم أن “الصحيح” مصطلح علمي خاص، يطلق على الحديث الذي تناقله أهل الاستقامة والإتقان في إسناد سليم من الانقطاع والتدليس، ونزيه من مخالفة ظاهرة أو خفية تؤثر في نسبته إلى صاحبه.

إن صحيح الإمام البخاري في أعلى درجات الصحة بالمعيار المذكور، ويعادله صحيح الإمام مسلم، وليس ثمة كتاب في الخبر والتاريخ في العالم يساويهما في علو الصحة وسمو الضبط والإتقان، ولو أن شروطهما طُبِّقت على أي كتاب آخر لانهار أكثره وظهر إخفاقه وانحلاله ظهورا بينا.

تفقه متن الجديث:

ولا يخفى على أحد عرف صناعة الحديث أن التوثق من صحة الحديث لا يتضمن دعوى بالنسبة لمتنه ومحتواه، فلا بد أن يبذل كل جهد في تفقه المتن حتى لا يبقى احتمال في التوصل إلى معاني كلماته واستيعابها استيعابا شافيا، ويتطلب ذلك أن تقارن الاختلافات والفروق في المتون مقارنة علمية دقيقة، فقد يكون الحديث صحيحا ومتنه منسوخا، ومن الدليل على ذلك ما أخرجه الإمام مسلم عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا.

وقد يكون الحديث صحيحا ويحصل خطأ أو وهم في بعض أجزاء متنه، ومن أمثلته ما قال البخاري في كتاب الغسل من صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، قال: قلت لأنس: أوكان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين. وقال سعيد عن قتادة: إن أنسا حدثهم تسع نسوة. فأصلح البخاري الخطأ الذي تضمنه الحديث الأول بما أورده من الحديث الثاني متابعة.
وأغلب المتون في الصحيحين محكمة غير منسوخة، وسليمة من الأخطاء والأوهام، وتلك سمة بارزة للكتابين، يصدِّقها كل من أنعم البصر فيهما ومارسهما مراسًا.

تصنيف المتون:

وينبغي أن توضع المتون المحكمة السليمة مواضعها، ويعامل كل صنف أو قسم وفق ما يخصه، ومن أقسام المتون:

1- ما فيه تفصيل حكم ورد مجملا في كتاب الله تعالى.

2- ما فيه تفريع لأصل ورد في الكتاب.

3- ما فيه إنشاء حكم شرعي لم ينص عليه الكتاب نصا جليا.

4- ما فيه إرشاد أو توجيه في الأمور الدنيوية التجريبية من المطاعم والمشارب والدواء والطب والتجارة والاقتصاد والحروب وما إلى ذلك.

كيف تعامل الأصناف المختلفة؟

لا بد أولا من التأكد أن الحديث لا يغير ولا يعارض حكما من أحكام القرآن أو تفصيلا من تفاصيله، فإذا عارض الحديث القرآن معارضة لا يمكن تأويلها كان ذلك دليلا على خطأ في نقله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوما من أن يعصي الله تعالى أو يخالف ما في كتابه أو يُقْدِم على شيء يناقض العقل مناقضة واضحة.

وإذا ثبت في حديث أنه لا يعارض شيئا من كتاب الله وجب العمل به واتباعه وفق الصنف الذي يندرج تحته، وبكلمة أخرى: إن حديث النبي صلى الله عليه وسلم يبين ما في كتاب الله تعالى وييسِّر تطبيقه ومعايشته، فيجب على المؤمن أن يخضع له، ولا يجد حرجا في قلبه من مضمونه ومحتواه، ويسلِّم له تسليما.

الأمور الدنيوية التجريبية:

إن عامة الأمور الدنيوية التجريبية الواردة في الأحاديث اجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ناصحا مخلصا أمينا، ولم يأل جهدا في إرشاد أمته إلى ما فيه صلاحها وسداد أمرها، في نطاق حدود علمه وخبرته، ونظرا إلى حاجات الناس ومقتضياتهم.

وكان من إخلاصه وأمانته ورفقه وتواضعه أنه كلما ظهر له خطؤه في أمر رجع عنه، أخرج مسلم في الفضائل عن رافع بن خديج، قال: قدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يؤبرون النخل يقولون يلقحون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا، فتركوه فنفضت أو فنقصت، قال: فذكروا ذلك له، فقال: إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر.

مراعاة حدود أصحابه في العلم والخبرة:

وكلما نصح أصحابه في أمور الطعام والشراب والطب راعى حدود علمهم وخبرتهم، وإنه لمن التكليف بما لا يطاق أن يؤمر الناس بما يخالف عادات عصرهم ورسومه، ومن هذا القبيل الحديث المسؤول عنه، وهو الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من تصبح بسبع تمرات من عجوة المدينة لم يضره سحر ولا سم”.

فليس معنى الحديث أن يتناول الناس هذه التمور ثم يتناولوا السم معتقدين أن السم لا يضرهم، فذلك فهم خاطئ وإقحام في الحديث معنى لم يتضمنه، وإنما معناه أنه صلى الله عليه وسلم قصد أن يرفع معنوية أصحابه، وقد أهمهم ما يسعى أعداؤهم من سحرهم وتسميمهم، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يضيعوا أوقاتهم مفيضين في الحديث عن مكر اليهود وغيرهم، فإن الله سيكفيهم شرهم، ثم أرشدهم إلى أفضل تمور المدينة لما فيها من غذاء صحي في أعلى درجة، فجمع بين الطب الديني من عبادة الله تعالى والتوكل عليه، ثم الطب البدني الذي لم يتوفر لهم أفضل منه.

ولا شك أن الاعتقاد له تأثير قوي في المعالجات، حتى إن الأطباء الذين ليسوا بأنبياء ولا صلحاء يصفون أدوية لأمراض ولا دليل لديهم على تأثيرها فيها، ومع ذلك فإنها تنفع، وهذا أمر مجرب معروف، فكيف بوصف يصفه الرسول النبي الذي يؤمنون به ويرضون به ناصحا أمينا، وهو أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم وأولادهم والناس أجمعين.

فالحديث يتضمن أمرين، وهما من سنن الهدى، أولهما النصح للناس في صدق وأمانة، والثاني إرشاد الناس إلى ما هو أوفق لزمانهم ومكانهم، وليس إرشاده إلى تمور العجوة إلا لأهل المدينة ولأهل ذلك العصر، وأما الناس في سائر الأمصار والأعصار فليس الواجب عليهم أن يداووا بالعجوة، بل عليهم أن يتبعوا ما هو أوفق لزمانهم ومكانهم من الأدوية والمعالجات، فإذا فعلوا ذلك كانوا متأسين بأسوته صلى الله عليه وسلم.

كونه أسوة حتى في توجيهاته في الأمور الدنيوية:

والأمر البين الذي لا يرتاب فيه مرتاب أن النبي صلى الله عليه وسلم تميز بإخلاصه لله تعالى والنصح للناس حتى في إرشاداته وتوجيهاته الدنيوية، وعامل الناس بأمثل أخلاق وأفضل آداب، وذلك مكان رفيع لا يبلغه غيره من العالَمين، فكان أسوة للعلماء والحكماء أن إذا أشاروا على الناس في قضاياهم الدنيوية اتبعوا سنته في الإخلاص والنصح والأخلاق والآداب.

حب النبي صلى الله عليه وسلم:

ومن أجل ما تحلى به من الإخلاص لربه والنصح لأمته وأخلاق عالية وآداب فاضلة في تعامله مع الناس أحبته أمته حبا لايوجد له نظير، وإن حبه من الدين، فمن ثم أحلَّ المسلمون إرشاداته حتى في الأمور الدنيوية محل التقدير والاحترام، وسَعَوا فيما لم يستوعبوا تفهمه من توجيهاته وإرشاداته أن يجدوا له محملا يوافق مقامه الشريف، وتلك مرتبة سامية لن يؤتيها الله إلا مؤمنا ولن يؤتيها إلا ذا حظ عظيم.