(6) رحلة أمريكا

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

(يوم الخميس 14 شوال 1439هـ الموافق لـ 28 يونيو 2018هـ)

مقدمة صحيح مسلم:

مما شرحت للطلاب اليوم مسألة حديث أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وذكرت أن الصحيح المتفق عليه بين أهل الحديث قديما أن أبا الزبير لم يعرف بتدليس، ولم يطعن فيه بذلك شعبة، مع أن شعبة أشد الناس كراهية للتدليس، ولم ينتقد الدارقطني حديثا في صحيح مسلم من أجل أبي الزبير.

إن قصة الليث التي استغلها بعض الناس لرمي أبي الزبير بالتدليس لا تدل عليه، فليس فيها إلا أن الليث لم يكتب عن أبي الزبير إلا سماعه من جابر، أخرج يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ عن الليث بن سعد، قال: جئت أبا الزبير، فأخرج إلينا كتبا، فقلت: سماعك من جابر؟ قال: ومن غيره، قلت: سماعك من جابر فأخرج إلي هذه الصحيفة. وروى ابن حزم في المحلى وغيره عن الليث بن سعد، قال: قدمت على أبي الزبير فدفع إلي كتابين، فسألته: كل هذا سمعته من جابر بن عبد الله؟ قال: منه ما سمعت، ومنه ما حُدِّثتُ، فقلت: أعلم لي على كل ما سمعته منه، فأعلم لي على هذا الذي عندي.

ليس في القصة أنه روى شيئا مدلسا، ومما يدل على عدم تدليسه أخذ شعبة عنه، وشعبة معروف بتشدده في التدليس، وقد أخذ عنه عن جابر أربعمائة حديث، وفي التهذيب عن يحيى بن معين، قال: استحلف شعبة أبا الزبير بين الركن والمقام إنك سمعت هذه الأحاديث من جابر؟ فقال: آلله إني سمعتها من جابر، يقولها ثلاثا. ولعل الأربعمائة هي كل ما رواه أبو الزبير عن جابر.

وصحح أحاديث أبي الزبير المعنعنة الترمذي وأبو داود وابن حبان وابن خزيمة وغيرهم، وترك شعبة الرواية عنه لأمر خارج الرواية، قال مرة: لا يحسن الصلاة، وقال أخرى: كان يسترجح في الميزان، وقال ثالثة: إنه افترى على رجل مسلم، وترك البخاري حديثه تبعًا لشعبة، قال الحافظ عبد العزيز بن محمد النخشبي في فوائد الخيالي: ولم يخرج محمد بن إسماعيل البخاري لأبي الزبير في الصحيح شيئا لأن أبا الزبير تكلم فيه شعبة، وقال: رأيته يتزن لنفسه فاسترجح، فترك حديثه لأجل هذا، ولم يحدث عنه إلا حديثا واحدا، فتركه البخاري متابعة لشعبة.

وكل ما أخرج مسلم لأبي الزبير أنواع، منها ما أخرجه وقد صرح أبو الزبير بالسماع، ومنها ما أخرجه من رواية الليث عنه، والليث لم يرو عنه إلا سماعه من جابر، ومنها ما أخرجه وقد صرح بالسماع غير مسلم، ومنها ما لم يصرح بالسماع وإنما أخرجه مسلم متابعة.
وأبو الزبير معروف بالحفظ وغيره أتقن منه.

سؤال عن المذاهب الفقهية:

سأل بعضهم هل يلزم اتباع مذهب فقهي بعينه في كل أمر، قلت: لا، الواجب على من آمن بالله ورسوله أن يطيعهما ولا يعصيهما، ويجوز له أن يختار ما هو أقوى دليلا أو أيسر عملا من بين الآراء المختلفة، ما دام مسلما لرب العالمين في تقوى وإخلاص، ولم نعلم عن أحد ممن مضى من الصحابة والتابعين وسائر أئمة الهدى أنه ألزم أحدا طاعة غير الله ورسوله، وما أحسن ما قاله ابن حزم في الإحكام 1/13-14 في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر): فنظرنا في هذه الآية فوجدناها جامعة لكل ما تكلم الناس فيه أولهم عن آخرهم، مما أجمعوا عليه واختلفوا فيه الاحكام والعبادات التي شرعها الله عز وجل، لا يشذ عنها شئ من ذلك، فكان كتابنا هذا كله في بيان العمل بهذه الآية وكيفيته وبيان الطاعتين المأمور بهما لله تعالى ولرسوله عليه السلام وطاعة أولي الامر، ومن هم أولو الامر، وبيان التنازع الواقع منا، وبيان ما يقع فيه التنازع بيننا، وبيان رد ما تنوزع فيه إلى الله تعالى ورسوله عليه السلام، وهذا هو جماع الديانة كلها. ووجدناه قد قال تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) فأيقنا أن الدين قد كمل وتناهى، وكل ما كمل فليس لأحد أن يزيد فيه ولا أن ينقص منه ولا أن يبدله. فصح بهذه الآية يقينا أن الدين كله لا يؤخذ إلا عن الله عز وجل، ثم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذي يبلغ إلينا أمر ربنا عز وجل ونهيه وإباحته، لا مبلغ إلينا شيئا عن الله تعالى أحد غيره. وهو عليه السلام لا يقول شيئا من عند نفسه لكن عن ربه تعالى، ثم على ألسنة أولي الامر منا، فهم الذين يبلغون إلينا جيلا بعد جيل ما أتى بهرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى، وليس لهم أن يقولوا من عند أنفسهم شيئا أصلا، لكن عن النبي عليه السلام، هذه صفة الدين الحق الذي كل ما عداه فباطل، وليس من الدين.

بيت عمر خان:

استرحت اليوم بعد الظهر في بيت الأخ عمر خان، واشتغلت بالمطالعة والكتابة إلى الساعة السادسة والربع، ثم كان لي مجلس مع أولاده وأهل بيته، أجبت فيه عن أسئلتهم عن معرفة الله تعالى وصفاته، والعبادة، وتربية الأولاد، وتعليمهم اللغة العربية والدين، ثم امتحنت الأولاد في كتاب (قصص النبيين) وغيره من كتب القراءة العربية، فوجدتهم فاهمين لدروسهم عالمين بها، ومتقنين لتصريف الماضي والمضارع، والرفع والنصب، فبارك الله فيهم.

ثم أعددت إجازة للطلاب في مقدمة صحيح مسلم، وحضر الأخ فرحان الزبيري، وعمر رنجون والا، ومعز الدين محمد، فتحدثنا عن أمور شتى في الحديث والفقه، وسألني عمر رنجون والا أن إذا سمحنا للناس أن يتبعوا في الجزئيات من شاؤوا من الفقهاء فلعل بعض الناس يتخذ ذلك ذريعة لاتباع أهل الباطل، قلت: علينا أن نتبع الصواب في تعليم الناس وإرشادهم وأن نكون صالحين، ولن يهدي الله إلا من أراد سبيل التقوى، وأما من أراد الضلال فلا يزيده الله إلا ضلالا، وقد ضل الناس في خير القرون، وظهرت الأهواء في عهد الصحابة والتابعين، وما أكثر ما ضل الناس في عهد أئمة الهدى، وتولدت الخوارج والشيعة والمعتزلة والجبرية والقدرية والمرجئة والجهمية في تلك القرون، أعاذنا من اتباع الهوى، وجعلنا من المتقين الصالحين.

العشاء:

وتعشينا بأنواع طيبة من الطعام، مفيضين في الحديث عن المشعوذين والمحتالين الدجالين الذين يتكسبون المال باسم الدين، ككثير من المتصوفة والعلماء ومعبري الرؤيا ومفسري الأحلام ومدعي الرقية الشرعية، يأكلون أموال الناس بالباطل والكذب والخداع وإيهام المرضى، وينتهكون الحرمات، ويتعرضون للنساء بالتحرش، والتعدي على أعراضهن، فاتحين أبوابا للشرور والمنكرات وأنواع من الفساد والموبقات، ويا لسوء حظ المجتمعات الإسلامية تجني ثمرات ثقافة جاهلية وعادات ورسوم غارقة في الغي والزيغ والخرافات، رغم أن الإسلام كان قد قضى عليها وأبطلها إبطالا، ولا هم للرقاة ومفسري الأحلام سوى فتنة الناس، ومن لجأ إليهم لم يخرج إلا بزيادة هم وغم وإفلاس وفقر، حيث يوهمونه بأنه مصاب بالسحر أو العين ومس الجن، وأنه لا بد أن يستمر معهم مدة تطول أحيانا وتقصر أخرى، ليبتزوا منه ثرواته غاشين له مغيرين عليه، فلا بد أن نحذر المسلمين منهم ونوصيهم بالابتعاد عنهم ووساوسهم ومكايدهم، ويجب أن يكون المسلمون على ثقة بربهم، منيبين إليه وداعين إياه، وأن الأفضل لهم أن يرقوا أنفسهم، ويعوذوا بالله من هؤلاء الدجالين الكذابين المشعوذين.

تنس الريشة:

وقد قرأوا في كتابي (يوم من حياتي في ندوة العلماء) أني كنت ألعب تنس الريشة مع زملائي، فسألوني أن ألعبه معهم، فأجبت دعوتهم، واستمر اللعب نحو نصف ساعة، وأعجبوا بأني ما زلت مجيدا فيه، وتنس الريشة ليس رياضة سهلة، إنها رياضة اللحظة المناسبة والقدرة على ضبط حركة اليد مع حركة الجسم، وأنها رياضة الأعصاب الهادئة القوية أثناء اللعب والتدريب، فالتحكم بالحركة والإبقاء عليها هما جوهر إتقان اللعبة، ولا يحسنها إلا الشباب الخفاف النشطاء العاقلون، ويخشى على كبار السن أمثالي أن تزل أقدامهم أو يفقدوا التوازن فيجرحوا أنفسهم.