(3) رحلة أمريكا

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

(يوم الاثنين 11 شوال 1439هـ الموافق لـ 25 يونيو 2018هـ)

تعشينا الليلة الماضية في بيت عمر رنجون والا، وحضر العشاء الإخوة الكرام فرحان الزبيري، وعمر خان، وعمر قريشي، ومعز الدين محمد المعني بالدراسات العربية والإسلامية في معهد السلام وكلية كامبريدج الإسلامية، وبنشر برامجهما التعليمية ومشاريعهما العلمية عبر أمريكا.

تعرفت على الأخ عمر قريشي في زيارتي السابقة، وهو من خريجي الأزهر الشريف، ويعد الآن رسالته للدكتوراة من بعض الجامعات هنا تحت إشراف الأستاذ شرمان جاكسون، وهو من أقرباء الشيخين العالمين الكبيرين محمود حسن خان الطوكي وحيدر حسن خان الطوكي، وقد استجاز من شيخنا المفتي أحمد حسن خان الطوكي، وعرض علي خلاصة بحث له عن رأي الإمام أبي حنيفة حول صحة الصلاة بغير العربية حتى لمن يحسنها، وأن ذلك هو المذكور في الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني، واستمر هذا النقل منه إلى عهد الكاساني، ويرجح بعض المتأخرين من الحنفية رجوعه عن هذا القول ولكن من دون إسناد ولا دليل على هذا الترجيح.

قلت: لعله أجاز القراءة بالفارسية لأن الصلاة ذكر، والذكر يصح بأي لغة من اللغات، قال العلامة عز الدين بن الملك في شرحه على منار الإمام النسفي: “ولهذا جوَّز القراءة بالفارسية في الصلاة من غير عذر مع أن قراءة القرآن فرض فيها، فقال: وهو اسم للنظم والمعنى إلا أنه لم يجعل النظم ركنا لازما في الصلاة وأقام العبارة الفارسية مُقام النظم كما قال صاحباه في حالة العجز لأنها حالة المناجاة مع الرب”.

وقال الأخ عمر قريشي: اختلف النقل عن أبي حنيفة في مسألة خلق القرآن.

قلت: ليس هناك دليل صريح من أبي حنيفة على قوله بخلق القرآن، وإنما استلزم بعض الناس ذلك من مذهبه في صحة الصلاة بغير العربية، جاء عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال : “لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول بخلق القرآن”. وقال ابن أبي حاتم في السنة له: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم حدثنا علي بن الحسن الكراعي قال: قال أبو يوسف : ناظرت أبا حنيفة ستة أشهر فاتفق رأينا على أن من قال القرآن مخلوق فهو كافر”. وأخرج الإمام البيهقي في الأسماء والصفات أن أبا يوسف سئل هل كان أبو حنيفة يقول بقول جهم أي خلق القرآن فقال : معاذ الله ولا أنا أقوله. وقد نص الإمام الطحاوي في عقيدته أن أبا حنفية وصاحبيه أبا يوسف ومحمدا لا يقولون بخلق القرآن.

المدونة الجامعة:

وقدم إلي الشيخ فرحان الزبيري المجلد الأول من (المدونة الجامعة للأحاديث المروية عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم) الصادر تحت إشراف شيخنا المجيز العلامة محمد تقي العثماني حفظه الله تعالى، ويشتمل على أحاديث كتاب الإيمان.

وهذا العمل هو جمع للأحاديث المرفوعة كلها بطرقها المختلفة في كتاب واحد من جميع المطبوعات القديمة والحديثة مبوبا على الموضوعات، معتمدا على 910 مصادر.

وقال شيخنا المجيز العلامة المفتي محمد رفيع العثماني حفظه الله تعالى في مقدمته: “أما بالنسبة لمستوى العمل ونجاح العاملين فيما هو المقصود منه فسيطلع القارئ الكريم أثناء النظر والقراءة فيه، كما أني لما طالعته وسرحت النظر فيه علاني السرور وسكنت به النفس واطمأن إليه القلب، لما وجدت من الاستيعاب البالغ لطرق الأحاديث مع إحالاتها إلى الكتب ومصادرها، وبيان اختلاف الألفاظ، وذخيرة عديمة النظير للأحاديث تحت كل باب، والترقيم العالمي للأحاديث مع بيان الحكم عليها من كلام المتقدمين”. (1/9-10).

وقال شيخنا العلامة المفتي محمد تقي العثماني شاكرا لجهود القائمين على العمل: “وفي الختام لا يسعني إلا أن أشكر وأقدر جهود القائمين على هذا المشروع من المحققين والمصححين والباحثين ومديرهم الذين جعلوا هذا المشروع نصب أعينهم ونديم فكرهم وأقصى بغيتهم”. (1/22). وقال: “وبالرغم من الجهود التي بذلت في جمعه وتأليفه وتصحيحه فإنه لا يتجاوز من أن يكون عملا بشريا، لا يأمن من الأخطاء والمسامحات، فإنه لا عصمة إلا لرسله عليهم الصلاة والسلام، فنلتمس من القارئين أن لا يضنوا بأي اقتراح يسنح لهم لإتمام فائدته أو تدارك خلله”.

وهذا العمل ييسر للباحثين الاطلاع على مواضع طرق حديث بعينه، ويصعب علي الآن وأنا في سفر وعجلة أن أبدي رأيي عن هذا العمل الكبير، إلا أني أذكر ثلاث ملاحظات، لعلها تنفع القائمين عليه:

الأولى أنهم لم يتبعوا المنهج الحديثي العلمي في تقديم الحديث المختار، فالذي جرت عليه عادة المحدثين هو تقديم الطريق الذي هو العمدة المعروف مخرجه والمشتهر أمره، وقد يمكن أن لا يكون هذا الطريق من تخريج البخاري لغرض فني، فمثلا قدَّموا في المدونة طرق حديث أبي هريرة في تخريج حديث جبريل، مع أن الأصل المعتمد عليه فيه لدى المحدثين حديث عمر بن الخطاب، ومن ثم بدأ به مسلم كتابه، كما رجحه غيره على حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

الثانية أنهم جمعوا الطرق التي لاتعدو أن تكون أوهاما أو مناكير وشواذ لا يعتبر بها في الشواهد والمتابعات، فمثلا حديث إنما الأعمال بالنيات لا يصح إلا من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجمعوا إلى جانبه طرق حديث أبي سعيد الخدري، وأبي الدرداء، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وعلي بن أبي طالب، وهزال بن يزيد الأسلمي، وهذه كلها طرق ضعيفة معلولة لا تبلغ أن تكون شواهد ومتابعات.
الثالثة: أن هذا العمل يحمل من لا يحسن علم الحديث أن يصحح ويحسن غير الصحيح والحسن بمجرد كثرة الطرق الشاذة المنكرة.

مقدمة صحيح مسلم:

ودرست اليوم مقدمة صحيح مسلم في معهد العلم من الساعة الثامنة صباحا إلى الساعة الواحدة ظهرا، وكان عدد الطالبين والطالبات أكثر من ثلاثين.

بدأت الدرس بتأكيد أن صحيح مسلم أفضل كتاب يدرِّب الطلاب على منهج المحدثين المتقدمين في تصحيح الحديث، وتضعيفه، وترتيبه وتصنيفه، وأن الشيخين البخاري ومسلما أخرجا أعلى الأحاديث الصحيحة في كتابيهما، واشترطا لها شروطًا، وتركا أحاديث صحيحة ليست على شرط كتابهما، كما أكدت أن البخاري ومسلمًا متفقان على الشروط التي إذا اجتمعت في حديث كان صحيحا، وقد يختلفان في تطبيق هذه الشروط، فما أخرجا حديثًا في كتابيهما إلا عن بينة، وما لم يخرجاه فكذلك عن بينة.

يقول الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي بعد رده على من يرى أن أحمد عنى بقوله (صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعمائة ألف حديث) المتون لا الطرق: ومثل هذا تغفيل قوم قالوا: إن البخاري لم يخرج كل ما صح عنده، وإن ما أخرج كالأنموذج، وإلا فكان يطول، وقد ذهب إلى نحو هذا أبو بكر الإسماعيلي. وحكي عن البخاري أنه قال: ما تركت من الصحيح أكثر، وإنما يعني الطرق. يدل على ما قلته أن الدارقطني، وهو سيد الحفاظ، جمع ما يلزم البخاري ومسلمًا إخراجه ما لم يذكراه أحاديث يسيرة، ولو كان كما قالوا لأخرج مجلدات، ثم قوله ما يلزم البخاري دليل صريح على ما قلته، لأن من أخرج الأنموذج لا يلزمه شيء. (ابن الجوزي: صيد الخاطر 164). وقال مسلم في صحيحه 2/15: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا، إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه.

ومن تتبع منهج الإمام مسلم في صحيحه وجد أنه يسوق الأسانيد في كل باب سوقًا عجيبًا، يدل على براعته وتقدمه في معرفة الأسانيد وعلله: فيقدّم أعلى الأسانيد صحة، ثم يتبعها بما يتلوها في الصحة، أو يقدم الأسانيد التي لها متابعات على التي ليست لها متابعات، أو هي دونها في المتابعات، أويقدم أعلى الأسانيد وسائط على النازل منها، أويقدم الأسانيد المسلسلة برجال بلد أو قبيلة على غير المسلسلة أو التي هي دونها في التسلسل.

جامع الملك فهد:

وصليت اليوم المغرب في مسجد الملك فهد في لوس أنجلوس، وألقيت كلمة حول أهمية العلم أمام حشد حافل، تلتها أسئلة من الحضور الرجال والنساء، ثم صلينا العشاء، وحضرنا عشاء استضافنا عليه أمناء المسجد، وبالغوا في إكرامنا، فجزاهم الله خير الجزاء.

يعد هذا الجامع من أكبر المساجد والمراكز الإسلامية في قارة أمريكا الشمالية، وأجملها عمارة على الإطلاق، وتبلغ مساحته (7200م2) ويتكون من أربعة طوابق ويتسع لألفي مصلٍ، افتتحه صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز يوم الجمعة 23-3-1419هـ، حضره صاحبنا عمر رنجون والا مع أبيه رحمه الله تعالى.