(1) رحلة أمريكا

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

(يوم السبت 9 شوال 1439هـ الموافق لـ 23 يونيو 2018هـ)

يرتاع الزائر المسلم للولايات المتحدة الأمريكية مذعورا من الإجراءات الأمنية المشددة المبالغ فيها، والتي تردع القاصدين صوبها الميممين شطرها مضعفة صرائمهم ومثبطة عزائمهم، ومن أشنع المكاره لدى الممتطين إليها أن يُردوا من مطاراتها على أعقابهم مصدودين عنها وقد تجشموا لها رحلة شاقة مضنية مكلفة، وساورني هم يشبه خوفا وهاجسني وسواس يضعف ثم يغالبني مغالبة، وقد جد جدي واقترب من السفر موعدي، فتوسلت بشيخنا العالم الرباني الشريف محمد الرابع الحسني الندوي، خليل الهدى، حليف العلم، وطوع الرشاد قضاؤه، أحيا الله به الحق وأناره به، وبثثت إليه شجون رحلتي إلى أمريكا لإلقاء الدروس والمحاضرات بها، ففرح بمطلبي وأثنى على بغيتي وجهدي، وسأل الله أن ينفع بي في حلي وترحالي ويجعل توفيقه حلفي وزادي، ويا لها من دعوة ثلَّجت صدري وبعثت الطمأنينة في قلبي وجددت لي عزمي، وعزَّزْتُها مستشفعا بأخينا العالم الصالح التقي أحمد عاشور، والذي لم يدع من مناقب السعادة والمجد ما يقنع من أزمع أن يكون سعيدا مجيدا، فكان مما كتب إلي: “حفظكم الله شيخنا الغالي! ووفقكم وسددكم ونفع بكم وجعلكم مباركين أينما كنتم، ولا وكلكم إلى أحد سواه طرفة عين”، فزادتني كلمته انشراحا لسريرتي وتصميما لقصدي، ومضيا لي في وجهي.

بكرت إلى مطار هيثرو بلندن غاديا إليها والطير في وكناتها، ترافقني بنتي سمية، وركبنا متن الطائرة من خطوط “فرجين” في رحلة طويلة استغرقت إحدى عشرة ساعة، قضيت معظمها نائما مخففا عني التعب والإرهاق، والركاب يتجاذبون أطراف الحديث متآنسين على عادة الأمريكان، على عكس الإنكليز، فما أضعفها تألفا وتوددا وما أشدها تماديا في الإعراض والصدود، وهبطنا في مطار لوس أنجلوس الساعة الثانية عشرة ظهرا من التوقيت المحلي، ولوس أنجلوس أكبر مدن ولاية كاليفورنيا، واقعة جنوب غربيها على ساحل المحيط الهادي، ومن رحمة الله بنا ودعوة الشيخين الكريمين أن اجتزنا الإجراءات غير مواجهين تشديدا ولا تأجيلا، ولا متعرضين للتفتيش الدقيق الذي يحمل عناء السفر عناء، ويثقل بأسائه بأساء، وطلعنا من المطار وقد سريت عنا الهموم وانسلت عنا الغموم، واستقبلنا الأخ الكريم الشيخ فرحان الزبيري، والأخ العزيز عمر خان مرحبين بنا ترحيبا، والشيخ الزبيري عالم صالح متخرج من دار العلوم بكراتشي، عالية أخلاقه وشمائله ومحمودة سجاياه وخصائله، يعود عهدي به إلى سنين، وقد رافقني في العمرة وأعجبت بسمته إعجابا، وآنسني بصحبته في الزيارة السابقة إيناسا، وأكرمني إكراما بالغا ونسق لي مأدبة كبيرة جدا دعا إليها العلماء والمثقفين وأقاربه، وزيارتي هذه استجابة لدعوته من معهد العلم لتدريس مقدمة صحيح مسلم لطلابه، وإنه من العلماء الذين تمكن حبهم من قلبي، ومما أنعم الله علي أن فطرني على تولي الصالحين، ساعيا في إجابة طلباتهم، وكارها لمخالفتهم أشد الكراهية.

والأخ عمر أسلم خان من تلاميذي النجباء، حافظ للقرآن الكريم، ومتخصص في القراءات الأربع عشرة، ومجود لكتاب الله تعالى تجويدا، وهو مشتغل بالأخذ مني منذ سنوات في معهد السلام وكلية كامبريدج الإسلامية، وسيجلس هذا العام لامتحان العالمية، زائدة على الأيام حسناته ومتنامية مكارمه، وقد صحبني في رحلاتي إلى المغرب، وأسبانيا مع أهله وأولاده، محبين للدين وعلمه، بارك الله في هذه الدوحة التي لا تتفرع عنها إلا المعالي، ولا تثمر إلا المحاسن.

هذه هي زيارتي الرابعة لأمريكا، كانت زيارتي الأولى على دعوة من جمعية الطلاب المسلمين من جامعة نيو يورك، وزيارتي الثانية على دعوة من الشيخ العالم صهيب ويب إذ كان إماما في بوستن، ألقيت خلالهما دروسا ومحاضرات، غير متجاوزة إقامتي بضعة أيام، تلتهما زيارة ثالثة، درست فيها أسبوعا في معهد “البينة” للأستاذ نعمان علي خان، وأسبوعا في كاليفورنيا الجنوبية في معهد العلم على دعوة من الشيخ العالم نعمان بيك، ثم زرت كاليفورنيا الشمالية، وألقيت محاضرة في كلية الزيتونة للشيخ الذائع الصيت حمزة يوسف، ودروسا في مسجد صاحبنا الشيخ الإمام طاهر.

تتضمن زيارتي هذه المرة تدريس مقدمة صحيح مسلم وإلقاء دروس ومحاضرات أخرى لمدة أسبوع في كاليفورنيا الجنوبية، وأسبوعا آخر في تدريس مقدمة أصول التفسير لابن تيمية وإلقاء دروس ومحاضرات في نيويورك وما جاورها من المدن.

نزلت في بيت الأخ عمر رنجون والا في منطقة دائيمند بار مجددا عهدي به تجديدا، ومعه زوجته فاطمة أسلم خان، وبناتهما صفية وعائشة وسلمى، وعمر من تلاميذي المحبوبين لدي لشرفه ونبله وذكائه وعنايته بالعلم، ورداء الشباب عليه غض جديد، وقد درس علي منذ سنين في كلية كامبريدج الإسلامية وفي معهد السلام، وسيجلس هذا العام لامتحان العالمية، وزوجته كذلك من الطالبات النجيبات، وهي أخت عمر خان الماضي ذكره، وقد ختمت زوجته القرآن الكريم حفظا أخيرا مع مسؤولياتها في بيتها وتربية بناتها، فأكرم بغرس هؤلاء نباته، وأعظم ببيت هؤلاء أركانه.

استقبلني الأخ عمر رنجون والا في فرط شوق متهللا وجهه ومستبشرا أيما استبشار، ولم نلبث إلا قليلا إذ زارني الأستاذ نعمان بيك مدير معهد العلم، متحمسا في لقائي ومبديا عن سروره وغبطته، وهو الآن مسافر إلى تركيا لحضور مؤتمر عن أئمة مساجد أمريكا، وهو من خريجي الجامعة الإسلامية ببنوري تاؤن في كراتشي، والتي زرتها قديما، وعالم داع أشرقت لدعوته أغوار هذه المنطقة بعد نجودها، وصديق صاف صاحب فكاهات ونوادر، ومن الذين لا تمل صحبتهم، ووعدني أن يقابلني هذا العام في الحج تعويضًا عما فاتنا من الترافق، وكذلك اتفقنا أن نزور كراتشي معا، وأسأل الله عز وجل أن يسعدنا في خططنا ويبارك لنا في خطواتنا.

كنت خرجت من أوكسفورد صباحا مفطرا على فنجان من الشاي، غير متناول شيئا في الطائرة، حتى طاب بنا المقام في محطنا، فتغدينا غداء غير ثقيل، وخرجنا بعد الساعة الخامسة في ثلاث سيارات مع أهل الإخوة المذكورين: فرحان الزبيري، وعمر خان، وعمر رنجون والا، إلى شاطئ البحر الهادئ، فاستمتعنا بمناظره، وروحنا أنفسنا بهوائه الصافي، ثم صلينا المغرب في مسجد قريب، ولقيني فيه شاب هاوٍ للمحادثة، وسألني أن أدعو له بدعوات، منها أن يرزقه الله رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فسألته وكيف ترجو رؤيته في هذه الدنيا وقد فارقها إلى ربه؟ فقال: ادع الله أن يرينيه في المنام.

أطلعني الشيخ فرحان خلال تجوالنا على إمكانية الدعوة الإسلامية هنا، وفرحت جدا بأنه مهتم بالدعوة ساع في سبيلها سعيا كبيرا، ومما لاحظت أن المسلمين في أكثر مناطق هذه البلاد مثقفون ثقافة عالية، غير منقسمين إلى طوائف وفرق متناحرة، وهم هنا أشبه في اتساع مداركهم ورحابة صدورهم وانفتاحهم بمسلمي أوكسفورد وكامبريدج ولندن والمناطق الجنوبية في إنكلترا، بعيدين عن العصبية والطائفية والنظرات المذهبية الضيقة، ومعهد العلم الذي استضافني مرتين معهد منفتح للرجال والنساء، وتصلي النساء في جامعه خلف الرجال حسب السنة النبوية المطهرة، وشيوخ المعهد ينتمون إلى مذاهب فقهية مختلفة، متصافين متحابين.

وقص الشيخ فرحان علي بظاهرة الارتداد مؤكدا أن عدد المسلمين المارقين من دينهم يبلغ عشرين بالمائة أو أكثر، فحزنت لذلك جزنا كبيرا، ولعل الوضع هو نفسه في أوربا، بل وفي الهند كذلك، والعلماء غير منتبهين لخطورة الأمر، ولا يهم الكثيرين منهم إلا الخلاف المثير للشحناء والجدل العقيم حول مواضيع فقيهة جزئية وفرعية لا تمت إلى دين الله بصلة ما.

وحدثني أن الطلاب المسلمين هنا في الجامعات تهمهم الأسئلة عن نظرية النشوء والارتقاء، ومكانة المرأة في الإسلام، وعن أشياء في سيرة النبي صلىالله عليه وسلم وتاريخ الإسلام، والعلماء غير متدربين على الإجابة عن هذه الأسئلة في منهج علمي، ولا يزالون يدرسون مسائل العقائد الأشعرية والماتريدية والسلفية التي يتقززها هذا المجتمع مشمئزا عنها، وأغلب العلماء غرباء عن هذا المجتمع وشرداء طرداء، لهم حلل حسان بيض، وأفعال وأخلاق سماج سود، فبئس هؤلاء مرتجى لصلاح أمر فاسد، ورتقا لفتق، ولمًّا لشعث، وعامة الناس غير مقتنعين بصلاحيتهم للقيادة آيسين منهم إياسا ومعرضين عنهم إعراضًا، فصدَّقت قوله، وقلت: ما أشبه وضعهم في أمريكا بوضعهم في أوربا وسائر بلاد العالم، فإلى الله المشتكى وعليه التكلان.