يسِّروا ولا تعسِّروا

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: من المفتين من يشدد على الناس في الفتوى، وإذا خير بين أمرين اختار أعسرهما وأشدهما، فهل توافق هؤلاء المفتين فيما ذهبوا إليه من التعسير والتشديد؟

قلت: لا، بل الواجب على المفتي أن يقدِّم التيسير على التعسير، ويرجِّح التخفيف على التشديد، ويغلِّب التوسعة على التضييق.

قالوا: وهل يصدِّق قولَك سند من كتاب الله تعالى؟

قلت: قال الله تعالى: “يُرِيدُ اللهُ بِكُم اليُسْرَ ولا يُريدُ بِكُم العُسْرَ” (سورة البقرة: 185)، وقال سبحانه: “يُريدُ الُله أن يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا” (سورة النساء: 28)، وقال الله سبحانه وتعالى: “ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون” (سورة المائدة الآية 6)، وقال: “وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم” (سورة الحج الآية 78).

قالوا: وهل تحققه سنة وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

قلت: السنن والأحاديث في هذا المعنى كثيرة متضافرة، أخرج الشيخان عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: ما خُيِّرَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أمرين، إلاَّ أَخَذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس عنه، وروى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا موسى ومعاذا إلى اليمن وأوصاهما بقوله: “يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا وبَشِّرَا ولا تُنفِّرَا، وتطاوعَا”، وأخرج الشيخان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا”، وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أَمَرَهُم أَمَرَهُم من الأَعمَال بما يُطيقُون، وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة، وأخرجا عن أنس، قال: ما صليْتُ وراء إمام قط أخف صلاة، ولا أتمّ صلاة من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن كان ليسمع بكاء الصبي، فيُخفِّف، مخافة أن تُفتَن أُمه، وأخرجا عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: “إني لأدخل في الصلاة، وأنا أُريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوَّز في صلاتي، مما أعلم من شدّة وَجْد أمه من بُكائه”، وأخرجا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: “إذا صلَّى أحدكم للناس فليُخَفِّف، فإن فيهم السقيم، والضعيف والكبير، وإذا صلَّى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء”.

قالوا: هل من الفقهاء من ذهب إلى ما ذهبت إليه من التيسير والتخفيف والتوسعة على الناس؟

قلت: هو المذهب الذي كان عليه الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، أخرج الدارمي عن عمر بن إسحاق، قال: لما أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ممن سبقني منهم؛ فما رأيت قوماً أيسر سيرة ولا أقلّ تشديداً منهم، وأخرج ابن عبد البر في جامع بين العلم وفضله عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال: من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا، قوما اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. وقال إبراهيم النخعي: “إذا تخالجك أمران فظن أن أحبهما إلى الله أيسرهما” (الآثار للإمام أبي يوسف ص 196). وقال معمر وسفيان الثوري: “إنما العلم أن تسمع بالرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد” (جامع بيان العلم وفضله ص 285)، ويقول الإمام أبو بكر الجصاص: “لما كان الحرج هو الضيق ونفى الله عن نفسه إرادة الحرج بنا ساغ الاستدلال بظاهره في نفي الضيق وإثبات التوسعة في كل ما اختلف فيه من أحكام السمعيات فيكون القائل بما يوجب الحرج والضيق محجوجًا بظاهر هذه الآية. (أحكام القرآن للجصاص 2/391).

قالوا: ما الذي يساعد المفتي في التيسير على الناس؟

قلت: يساعده الرجوع المباشر إلى الكتاب والسنة في الحفاظ على روح الشريعة من التيسير والتخفيف، يقول العلامة الفقيه الشيخ القرضاوي: “وقد تبين لي بطول الدراسة والممارسة أن الرجوع المباشر إلى الكتاب والسنة يقترن دائمًا بالتخفيف والتيسير، والبعد عن الحرج والتعسير. على خلاف الرجوع إلى الفقه المذهبي الذي حمل على طول العصور كثيرًا من التشددات، نتيجة الاتجاه إلى الأخذ بالأحوط غالبًا. وإذا صار الدين مجموع “أحوطيات” فقد روح اليسر، وحمل طابع الحرج والمشقة، مع أن الله تعالى نفى الحرج عنه نفيا باتا حين قال: “وما جعل عليكم في الدين من حرج”. (فتاوى معاصرة 1/6).

قلت: ومما يساعد على التيسير هو النظر في وضع المسلمين اليوم، فقد كثرت الفتن والشدائد، ولم يعد القيام على العبادة وأمور الطاعة سهلا، فإذا رغّبهم التيسير في حفاظهم على الدين وشجعهم عليه تشجيعا تعين على المفتي التيسير لا التعسير، والتخفيف لا التشديد، وتحتم عليه أن يكون رفيقا بالناس غير معنف عليهم، وموسعا لهم غير مضيق عليهم، أخرج الشيخان عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه، وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت، فقال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فمكث، فبينما نحن على ذلك أتي النبي بعَرَق فيه تمر فقال: أين السائل؟ قال أنا. قال: خذ هذا فتصدّق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتَيْها أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك.
يقول الشيخ القرضاوي: (ومن واجب العالم المسلم أن ييسر على الناس ما استطاع، وأن يراعي عصره، وهذا هو منهجي في الحقيقة … التيسير لا التشديد في الأمور التي فيها سعة في الدين، وهذا المنهج إنما رجحته لسببين:

الأول: أن التيسير هو روح هذا الشرع … وروح هذا الدين. وقد ختم الله آية الطهارة بقوله “ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون” (المائدة: 6)
وختم آية الصيام بقوله “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر” (البقرة: 185)

الثاني: أن الناس في عصر كثرت فيه الفتن، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، ومن واجبنا أن نعين الناس على أن يتدينوا لا أن ننفرهم من الدين، والتشديد ينفر، بينما التيسير ييسر ويقرب من الدين … ومن نفر من الدين فهو يتحمل مسئولية كبيرة أمام الله عز وجل). (فتاوى معاصرة 1/216).

قالوا: هل تختار التيسير في الأشياء كلها؟

قلت: إن الدين ثلاثة أمور: 1- الأصول كالإيمان والإسلام والتقوى والزهد والصبر والشكر، 2- والكليات الموصلة إلى الأصول كالصلاة والصيام والزكاة والحج، 3- والفروع والجزئيات التي هي مقدمات وتحسينات للكليات كالوضوء والغسل وسنن الصلاة ومستحباتها، والمسائل التي اختلف فيها الفقهاء في الحلال والحرام والاستحباب والكراهة، فلا تيسير في الأمرين الأولين إلا إذا جاءت الضرورة والحاجة الشديدة، وأما الثالث، فينبغي للمفتي أن يميل فيه إلى التيسير والتخفيف ما وجد إليه سبيلا، ومما يؤسف له أن نشأ في عصرنا هذا من يرى التعسير والتشديد في الفتوى ورعاً وتقوى، ويرى التيسير والتخفيف ضعفًا في الدين وقلة في اليقين، مع أن هذا التشديد هو التنطع المنهي عنه، أخرج مسلم وأبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “هلك المُتنطِّعون”! قالها ثلاثًا “، وأخرج البخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الدِّين يُسْرٌ، ولن يُشادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلا غلبه، فسَدِّدوا، وقارِبوا، وأبشرُوا، واستعينوا بالغُدْوَة والرَّوْحة، وشيءٍ من الدُّلْجة”، وفي رواية: “سدِّدوا وقارِبُوا، واغْدُوا ورُوحوا، وشيء من الدُّلجة، القَصْدَ القَصْدَ تَبلغوا”.، و أنكر صلى الله عليه وسلم على معاذ بن جبل تطويله في الصلاة، وقال له: “أَفتَّان أنتَ يا معاذ؟ أَفتَّان أنتَ يا معاذ؟ أفتَّان أنتَ يا معاذ؟” رواه البخاري”. وأخرج الشيخان عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: أنَّ رجلاً قال: والله يا رسول الله، إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يُطيل بنا! فما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبًا منه يومئذ! ثم قال: “إن منكم مُنفِّرين، فأيُّكم ما صلَّى بالناس، فليتجوَّز فإن فيهم الضعيف، والكبير، وذا الحاجة”، وأخرجا عن أنس رضي الله عنه، قال: “جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ـ فلما أُخْبِرُوا كأنهم تقالُّوها وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؟! قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: وأنا أصوم ولا أُفطِر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوَّج أبدًا. فجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم فقال: “أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أَمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفْطِر، وأُصلِّي وأرقد، وأتزوَّج النساء، فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس منِّي”.