يا حمامة!

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

​أصحو مبكرا، مصليا ركعات، ذكرا ربي بكلمات ودعوات، وتاليا آيات من كتاب الهدى أتدبرها تدبرا، وشاديًا أبياتا من شعر الرومي أو الحافظ أو السعدي أو إقبال، ثم أشغل نفسي بكتاباتي ودروسي، وهذا هو المسار الذي تدأب عليه حياتي، ولكني اليوم أستثقل الكتابة والتأليف متوانيا فاترا، قد عزب عني الجد والنشاط، وأراني أدفع إلى الاختلاء بنفسي منزويا منعزلا، متبرما بأشغالي، مالاًّ بيئتي ومناخي، ومنصرفا عن كتبيوما حولي، كأن الناس غرباء عني، غير واجدين وجدي، ولا مهتمين لهمي، فلهم أشجان ولي شجن وحدي.

​بينما أنا في انقباض وسآمة إذا بحمامة ضالة عن سربها، هاتفة على فنن غض النبات في رونق الضحى، صادحة بصبوة وجوى، يا حمامة! أنت غريبة مثلي، نائية الديار، بعيدة عن الإلاف، تغنين بألحان فيها لوعة وشجى، وحرقة وأسى، يستهويني هديلُك مولِّهًا إياي آخذا قلبي وفاتنا نفسي، أنت إلفي وأنسي، وعاقلة عني شغفي وودادي، ولا تبث الهموم إلا إلى من استأنسها غير جافيها ولا قاليها، فاسجعي بهدير يُذهب كمدي ويزيح اكتئابي، ويداوي حزازة حر في الجوانح والصدر، ويسقيني على الظمأ والصدى بردا وماءا زلالا.

​لا تحدثيني عن الأزهار والورود الفائحة طيبا والنافحة شذى، والمتهللة بهاءا والساطعة نضارة، ولا عن الأشجار الفارعة والدوحات الباسقة، والحدائق الغناء والجنان الفيحاء، ولا عن الشلالات والوديان والبطون، والأنهار الجاريات فيها والعيون، ولا عن الجبال الراسيات، المترفعات الشامخات، اللاتي تتطأطأ السماوات فتقبِّل رؤوسها تقبيلا، واللاتي تناجي النجوم والكواكب وتودعها أسرار أرضها إيداعا، ولا عن السماء الصافية، والشمس والقمر، ولا السحاب السابحات السابقات والمطر، ولا تحدثيني عن الطيور المغردات، ولا العنادل والحمام المطربات، مستأسرة بغناها النفوس، وساحرة بنواها القلوب، وسالبة برقصاتها العقول.

​ولا تبوحي إلي بأنباء المدن والقرى، ولا الطريف المستجد من ندوة العلماء، الدار التي يؤنس بها ساكنها وزائرها من سنة البدر مطلعا، ومن الأنوار اللائحة على أرجائها سناءا ورواءا، ومن نسمات المسك أذكاها، والتي امتزجت أجواؤها بلحمي ودمي، ولم يسلُ فؤادي عنها بأهل ولا مال، ولم أحفل بلوم اللائمين فيها، وإنما يلام المرء فيما استطاع من الأمر، بل وجدت الملامة في هواها لذيذة حبا لذكرها فليعذل العذّل، دعيني اليوم من حديثها اللذيذ وخبرها الشهي المستطاب، ولا تعجبي يا حمامة لبرئي من حبها بعد ما عمرتُ زمانا منه غير صحيح، فعليها سلام يا لها من دار، ورعاها الله وسقاها صوب غادية ما دام الليل والنهار.

​ولا تفضي إلي بقصص قيس بن الملوح وليلاه، وفرهاد وشيرين، وكثير وعزة، وجميل بن معمر وبثينة، والمحبين العقلاء، أو العشاق المجانين، ولا الغواني الموسومات بالحسن والجمال، ولا البيض الآنسات الحديث، اللواتي باكرهن النعيم فصاغهن بلباقة فأدقهن وأجلهن، إذا أرسل المرء إليهن طرفه رائدا لقلبه أتعبته المناظر، ولم يصبر عنهن الصابر، وذهل بالنظر إليهن عن مُمتع الأحلام وحلو الأماني.

​ولا تحكي لي عن أحبتي وأصدقائي، عن كريم أخلاقهم، وصفاء مودتهم، وسخاء أيديهم، وشديد وفائهم، ومؤاساتهم، وذكائهم وفطنتهم، وتوقد خواطرهم، وثقافة ألسنتهم وفصاحتهم وبيانهم، المضطلعين بالحكم وفنونها ومحاسنها وعيونها، صفا لي ودهم، فلم أطع فيهم ناصحا ولا عدوا، والذين لم أستطب الحياة بدونهم، ولم ألق بعدهم إنسانا فخبرتُه إلا وزادني ذلك حبا لهم، ولكني أرى ودهم اليوم لا يشفيني كما كان يشفيني، وذكرهم لا يسري إلي كما كان يسري.

​فالحديث عن كل ذلك يعنِّيني ويرهقني إرهاقا، ويزيدني وصبا ونصبا، وكأن صارفًا يصرفني عنه صرفًا، ويحجمني عنه حجما، ما مُتع الدنيا بفاتنتي، ولا خطوبها بجليلة الخطب، فإني وإن كنت محاطا بالنعم ومحفوفا بالمكاره، فلا النعم مصطادة قلبي أو متوغلة في أحشائي، ولا المكاره مسيطرة على نفسي أو متحكمة في أمري.

​اسمعيني يا حمامة الحزينة! فقد أبديت لك الذي لم أكن أبدي، وأفشيت لك سري ومكنون ضميري، لعل بثي إليك يشفيني من الوجد والكرب، حدثيني عن ربي، فاطر الخلق البديع، الذي أمات وأحيا، وأضحك وأبكى، والذي له الأمر، والذي سجد له الجبابرة، وخضعت له الأكوان بالطاعة، احتجب برداء العز والجلال، وعجزت عنه المدارك والأوهام، وعلا عن الوصف، لا شيء يدركه، ولا علم يبلغه، ولا فهم يكتنهه، وهو الظاهر الباطن والأول والآخر، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.

​حدثيني عن الأحد الصمد الذي لا ند له ولا ضد، واستغنى عن طاعة الإنس والجن وعبادة الملائكة المقربين، المعز المذل، والعليم الذي ليست الأرض والسماوات وما فيهن إلا قطرة من بحر علمه، عالم الغيب والشهادة، والعلانية والسر وأخفى، والحاكم العادل في قضائه، ضلَّت العقول في أسمائه وصفاته، وتاهت الأفكار في خلقه وأفعاله.

​حدثيني عن الجواد المفضل، المعطاء المجزل، الكافل رزق الجميع، والمهطل سحاب الجود، الذي بسط موائد كرمه في سهول الأرض وجبالها، رمالها وقفارها، وأنهارها وبحارها، ولم يرفعها عن أحبته ولا عن أعدائه، وقل في نفحاته ما كثر، وكم له في خلقه من مواهب وعطايا ليس يحصي شكرها أحد، وحدثيني عن الغفور الرحيم الذي لا يعجل بالعقوبة، ولا يطرد مستعطيه، ولا يغلق أبواب رزقه على من بغى عليه وعصى، وهو العافي عن الخطايا التي تلّفت، ومسبل عليها بالغطاء الجميل.

​وحدثيني عن مولاي الذي يديم علي نعمه، ويستر عيوبي بمنه، ويغفر ذنوبي بحلمه، ويقبل توبتي بفضله وكرمه، وهو العزيز الذي إذا انصرفت عنه لم أجد عزا عند غيره، الذي يُصح جسمي ويشفيه، ويغشاني بعميم طوله، والذي وإذا دجى ليل الخطوب وأظلمت سبل الخلاص وخاب فيها الآمل أمدني بسبب منه ألوذ به معتصما بحبل منه متين.

​يا حمامة! أثني على ربي الذي كلما دعوته أجابني، وكلما سألته أعطاني وزادني، واحمدي ربي الذي طاب فيه الحمد والثناء، وسبِّحي اسمه الأعلى، واسجعي بذكره الأجل الأسمى، فذكره شفائي، وحبه دوائي، وصرم الذي بيني وبينه أذهب للعقل، ومن بينات حبي له أن كان أهل حبه من سائر خلقه أحب إلى قلبي وعيني من أهلي، كأني غصن مقطوع عن أصله، لا حياة له إلا بالاتصال به، تفنى الأيام ولا أبالي، ولكن إذا فرغ قلبي من حب ربي خبثت نفسي، وماتت روحي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، يشكو الشاكون من قلة نصيبهم من أحبتهم، وربي الذي ليس لنصيب المتقربين منه والمتزلفين إليه حد، أحبه ما دمت حيا، حب ربي أمن وسعادة، وحب ربي حلو المذاق، تمكن من فؤادي، حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولا سرور، ويا لهيامي من فرط الحب والصبا، فعيناي طورا تغرقان من البكا فأنبسط وطورا تحسران فأنقبض انقباضا.

​اللهم إني أسألك أن تنعم علي بحبك الذي يزيد ولا ينقص، حرًّا على الأحشاء ليس له برد، وبفيض الدموع التي تروي غلتي وتبرئ لوعتي وتعافي علتي، والحمد لك ربي حمدا لا انقضاء له، وحسبي اللهم أنت فلا مولى لي سواك.