يا باسل!

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

(الدكتور باسل مصطفى العراقي من أصدقائي المخلصين في أوكسفورد، تعاشرنا زميلين أكثر من عشرين سنة، ثم تفرقنا لسنوات، ورأيته اليوم بعد صلاة العيد فالتأم الشمل بيننا في مودة متآنسين ومتآلفين)

يا باسل! ما أجمل تلاقينا بعد فراق! تلاقينا يوم العيد، فكان اجتماع عيدين، لقاء تناثرت فيه أجمل الكلمات وأرق الترحيبات، إن ألذ غناء يُطرب مسامعي لصوت تحية تبشر باجتماع الأحباب، والاجتماع أقرب الأنساب وأمتن الأسباب، تلاقينا وقد غلبنا مزيج من شعورين متضادين: حزن وفرح، وألم وشوق، تصافحنا فتصافحت أيدينا وعواطفنا، وتعانقنا فتعانقت أضلاعنا وقلوبنا، وتحاضنَّا فغمرنا بهاء وجلاَّنا رواء، رأيتك فرأيت حلما وصحوا ووجدا، وصبحا صبيحا ونهارا وضيئا، ولقاء الحبيب هو العلاج لأدواء القلوب، وهو الطبيب لأشجان الصدور.
ما أحلى تلك الأيام! إذ كنا ندماني صدق، نلتقي صباح مساء، يبث كل واحد منا إلى صاحبه مكنونات صدره وخفايا نفسه، يشاطره في أفراحه، ويشاركه في أسراره، ويواسيه في أحزانه، ويخفف عنه همومه، أتملى ابتسامك وتلألؤ وجهك، أجمِلْ بطلعة فاقت خيالا، يؤججها بأضواء سناء، وأحسِن بنقاء قلبك إذ لم تأل جهدا في المناصحة والمصافاة، زكى الله قلبا رفيقا لقلبي، وأسمى الله عقلا منادما لعقلي، ما أحلى تلك الشهور! وما أجمل تلك الأعوام، أخلاء الرجال كثير، وفي البلاء هم قليل، فما أندر الأوفياء، وما أعز الأصفياء! وما أقل الأُنساء، وما أغلى الجلساء، والعاقل من تخلى عن الكثير، فكم من كثير يُعاف، وكم من قليل يُستطاب، وأحب الإخوان أخ يؤاتي، ويغض الطرف عن عثراتي، يوافقني في سكناتي وحركاتي، ويحفظني في حضراتي ومغيباتي.

تولت تلك المشاهد وقد فرق الدهر بيننا منفصلا بعضنا عن بعض، متباعدة أجسادنا، مشتتة أنحاؤنا، ومختلفة مقاصدنا، ووجدنا أنفسنا على مفترق الرحيل، متخالفين في السبيل، وصارت تلك الأيام أحلاما، أيام مضت بذكراها، وحلاوة معناها، وطيب مغزاها، تنائينا ولم تتناء أرواحنا، وتجافينا ولم تتجاف مهجنا ومواجيدنا.

واليوم إذ التقينا، عادت تلك الذكريات، وذكريات الأمس ما أعذبها! ذكرى قربة، نسيمها الشوق، وعبيرها الإخلاص، أنت صديق محفور في الذاكرة، لا تفارق بالي، ولا تنساك عيناي، ولا يتخطاك قلبي، وما أروع أن أصادق إنسانا، يشتاق إلي وأشتاق إليه، ويدعو لي وأدعو له، إذا لم تجمعنا الأيام جمعتنا الذكريات، وإذا لم ترنا العيون رأتنا القلوب، فقلوبنا شهدت معنى الأنس والمودة شهودا، وخطَّت من الصدق والمحبة رسما استعصى على الأيام والليالي أن يعفِّين آثاره، وما أطيب العيش وقد تجدد العهد بيننا متبسما ضاحكا! فاكسُه اللهم ثوبا من الخلد والدوام.