وهل من بديل؟

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: ما لك تنتقد فكرة التمويل الإسلامي هذا الانتقاد اللاذع، وتطعن فيها في غير لين ولا هوادة، لامزا أصحابها وواقعا في أهلها؟

قلت: لأن ما يسمى بالتمويل الإسلامي ليس في جوهره ومقاصده ومناهجه إسلاميا، ما هو إلا فرعا من فروع التمويل الرأسمالي واصلا وشيجته بوشيجته ورابطا آصرته بآصرته، وإنما ألحقت به نسبة الإسلام ترويجا لبضاعة مزجاة بين الشعوب الإسلامية والأمم الكارهة للربا، ومن ثم ترون أن النظم اللادينية التي تشاقُّ دين الإسلام وتعاديه لا ترى بأسًا في تبني التمويل الإسلامي وإقراره، بل إن المصارف الربوية العالمية تتسابق في فتح نافذة بهذا الاسم في الدول الإسلامية وفي كل منطقة تقطنها الجاليات الإسلامية.

قالوا: ولكن فقهاءنا وعلماءنا ينوهون بهذا التمويل الإسلامي ويتفاخرون في الانتماء إليه ويتنافسون في عضوية البنوك والمؤسسات الدولية التي تتزعم التمويل الإسلامي،

قلت: هم نوعان: علماء لم يدركوا حقيقة الأمر فانخدعوا ببعض الشعائر البراقة الكاذبة والتلبيسات والتمويهات، وآخرون أدركوها، وفضلوا عن علم ووعي خدمة الهيئات اللادينية والنظم الكافرة من أجل أعواض ترضيهم إرضاء راغبين في الأولى عن الآخرة.

قالوا: مالك لا تكشف عن فضائح التمويل الإسلامي، فيطلع عليها المسلمون ويتخلصوا من مكايده، ويتطهروا من أدناسه وأرجاسه؟

قلت: قد نسقت دروسًا طويلة مفصلة تزيح الستار عن دسائس المدسسين وتخليط المخلطين، وانقلب إلي عدد كبير بعد تلك الدروس معترفين بصدق طعوني، وإصابتي الهدف شاكرين لي سعيي وداعين لي بالخير.

قالوا: لو جمعت انتقاداتك وطعونك في مقال فيستفيد منه جمع أكبر؟

قلت: فعلت، ورددت على فقهاء التمويل الإسلامي في مقال مفصل باللغة الإنكليزية، كشفت فيه عن انحرافهم، وبينت تناقضهم، وانتشر ذلك المقال انتشارا واسعا.

قالوا: ما تناقضهم؟

قلت: من تناقضهم أنهم يرددون ليل نهار كلمة “المقاصد”، وإذا قدموا إلى ما أردوا تحليله من الاقتصاد والتمويل وغيرهما من أنواع المعاملات جردوه عن مقاصده تجريدا وعرَّوه عنها تعرية؟ ولهم تناقضات أخرى يضيق المكان عن شرحها.

قالوا: سهل أن تهدم فكرة، وصعب أن تأتي لها ببديل، فهل من بديل عن التمويل الإسلامي تقترحه أنت وأمثالك؟

قلت: اسمعوا قصة،

قالوا: ما هي؟

قلت: حدث زلزال رهيب في بعض مناطق أوربا سنة 1755م، راح ضحيته الألوف من البشر، ودمرت البيوت، واقتلعت الأشجار، وبدلت الأرض غير الأرض، ومضى على ذلك أيام، وعاد إلى الناس شيء من الهدوء، فإذا برجل يبيع الحبوب المانعة للزلزال، فاستغربوا البائع والمبيع، وسألوه: كيف تمنع هذه الحبوب الزلزال؟ قال: وهل من بديل؟

قالوا: ما رأينا أسوأ من ذلك في تسفيه الأحلام وتجهيل العقول أن نقبل كلام الدجالين المفترين المبتزين أموال الناس بدعوى أنه لا بديل عنه.

قلت: فاعلموا أنكم قد وقعتم في الفخ نفسه إذ استبد بعقولكم أدعياء التمويل الإسلامي استبدادا، وإذا رده عليكم راد واستبشع صنيعكم سألتموه: هل من بديل؟

قالوا: فماذا نفعل؟

قلت: انطلقوا من هذا التمويل الإسلامي مستيقظين من غفوة طالت عليها الآماد، ومحررين أعناقكم من نير العبودية والتبعية، فحسب ذلك خرقا وسفها عند ذوي الأحلام والنهى، يسخر منكم الشعوب والأمم عقلاؤها ومفكروها وفقهاؤها وعلماؤها، وانظروا بجدية في بديل يخلص البشرية من آفات الربا، ويطهرها من المغتصبين الذي لا يهمهم إلا امتصاص دماء الأبرياء من الفقراء والمساكين وعامة الناس.

قالوا: يخيل إلينا أنك عالم واسع المعرفة، منعوت بالفقه والبصر، طالب للحق من وجهه ومستنده، والصواب من مكانه ومصدره، وقادر على استجلاب الحجج وانتزاع البراهين، فلو ساعدتنا في البحث عن هذا البديل شارحًا له شرحا يفي بمدلوله وسره، ويرفع الحجاب عن مسالكه، غير تارك غموضا ولا إبهاما،

قلت: لا تطروني إطراء، ولكن سأسعى في إفراد مقال لما طلبتم لعلي أقضي بعض حاجتكم، فانتظروا إن كنتم للخير طالبين، ولمرضاة ربكم مبتغين،

قالوا: ندعو الله تعالى أن يجعلك ناصرا للإسلام، وقاهرا للضلال، ومحقا للحق، ومبطلا للباطل،

قلت: تقبل الله دعواتكم، وقد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا.