مَحَامِد رَبِّنا

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: ما لنا لا نرتاحُ لذكر ربِّنا ذائقين طَعْمَه مُسْتبشرين به مُغْتبطين؟

قلت: لقد قست قلوبنا فهي كالحجارة أو أشد قسوة، ومُنينا بغفلة بلَّدت فطرتنا تبليدا، وأصابت طبائعنا كسادا، وهِممنا فتورا وفسادا، وإنها لرأس كل نكبة وداء وخطب وبلاء، وجالبة إلى صاحبها مقتاً وشناءة وبغضاء،

قالوا: كيف ننتبه من رقادنا ونصحو من غفلتنا؟

قلت: روضوا أنفسكم، وانهوها عن أهوائها، واكبحوا جماح شهواتها، وأنيبوا إلى ربكم مستغفرين ومسبحين حامدين.

قالوا: علِّمنا من محامد ربنا ما يُرسي صلتنا به ويربطنا به بعروة وثقى وحبل متين،

قلت: إن محامد ربنا لا تعد ولا تحصى، كل نَفَس ينقبض ويدخل أعماقي يُمِدُّ في حياتي، وكل نَفَس ينبسط ويخرج من أحشائي يُفرِّح ذاتي، ففي كل نفَس نعمتان، وفي كل نعمة شكر، ثم في كل شكر نعمة، وكذلك العينان والأذنان وسائر أجزاء جسدي فيها نعم كثيرة متسلسلة متعاقبة بعضها فوق بعض، فأنا غريق في بحار نعمه، متقلب في أنواع من مننه وكرمه، ولن يُفلت أحد من فريضة شكره وواجب حمده حتى ينسلخ من يديه ورجليه، وأذنيه وعينيه، ولسانه وشفتيه، وجسمه وروحه، ومن قلبه وعقله، وينفذ من أقطار مُلكه في الأرض والسماء، وينخلع من وجوده ومحيطه وسائر الأجواء.

قالوا: تعالى ربنا أن يتقصاه الخلق تسبيحا وتحميدا، وتقديسا له وتمجيدا، ولكن أرشدنا إلى كلمات تُقرّب أسماءه وصفاته إلينا تقريبا يكون على ما سواها دليلا،

قلت: كيف يتحدث من على قلبه من الإعراض والسهو أقفال، وفي لسانه من العجمة والعي أغلاق عمن لا تدركه الأبصار والأفكار، ولا تبلغه الظنون والأوهام، وكلما نطقتُ بشيء ثم تذكرتُ ما في كتاب الله والمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم من حمد الله والثناء عليه ردعني الخجل ولجمني الحياء، وصرت كالطاوس الجميل الذي يرقص في الصحراء طربا فإذا وقع بصره على رجليه الدميمتين انقطع وأحجم إحجاما.

أو يصلح لمثلي أن يتكلم عن ربوبيته ورحمته؟ وما لاح لي معنى من معانيها إلا وسَجَّل شهادة جديدة على خُرْقي وجهلي، هل أحدثكم أنه أوجد أشياء من العدم من غير مادة، ثم أنشأ منها ما أنشأ في تدبير عجيب، وتقدير بديع، وحساب متقن، وحركة سارية في أدق أجزاء الكون؟ خلق الخلق، وخلق علله ومبادئه وأسبابه، وخلق مآله وأواخره وعواقبه، وهو الصمد الذي يعوِّل عليه كل شيء في وجوده وبقائه وعدمه وفنائه، يطعم ويسقي ويشفي من كل داء، وينجي من كل مكروه وبلاء، وبحكمه الخير والشر والنعماء والأرزاء، ولا يهتك حجاب أعراض الأنام بذنوبهم الفاحشة، ولا يُغلق باب رزقه على الكافرين والمنكرين، إن جميع نعمه الظاهرة والباطنة في السماوات والأرض وفي أنفسنا لمن سواطع الأدلة وقواطع الحجج على رأفته ورحمته ومنه وكرمه.
أم يجدر بي أن أصف لكم كماله؟ فقد تنزه عن كل نقص وتحاشى عن كل عيب، جلَّ رب تولَّى العالمين، وتعالى ملك قهر الخلق أجمعين، وأقام الناس على جادة الاعتدال بعدله، يقضي ما يشاء لا راد لقضائه وهو سريع الحساب، إذا ما خلوتم الدهر يوما فلا تقولوا: خلونا، ولكن قولوا: علينا رقيب، لا يخفى عليه شيء ولا يغيب، ولا يغفل ما جرى وما مضى، سبحان مَن عَلا ودَنا، وتبارك من لا يُرى، إن ربَّنا قوي مجيد، لطيف جليل غني حميد، وإن الملوك وإن عظُمت وإن الجبابرة مهما طَغَت فإنها لربِّنا عبيد.

وكيف أقوى على نعته، وليس كمثله شيء، جلَّ عن مُشَبَّه له ونظير، سبحان من لا شيء يعدله ولا يساويه، ولا يضاده ولا يناهضه، مُحيت أسماء من بغى عليه وتمرد وظلم، فلم يتحسر عليهم النسيان ولا العدم، وهو الذي ليس له في الملك كُفُؤ ولا سُوىً، إليه كل الأمر في الخلق كله، وليس إلى المخلوق شيء من الأمر، إنه هو أعلى منة ويدا، وأبينا أن نشرك به أحدا.

وأنَّى لي أن أدَّعِي إدراكَ مَن تعالَى عن كل قياس وخيال، وجَلَّ عن جميع ما نطق به لساني، أو سمعتْه أذناي، أو قرأتُه في زبر الأولين أو قراطيس الآخرين؟ انتهى المجلس، وانقضى العمر، وما زلنا في مطلع أول اسم من أسمائه ومبدأ أول وصف من أوصافه، ولو توالى على الثناء عليه الكُتَّاب والخُطباء العرب والعجم، بل وشعراؤهم العباقرة الأفذاذ الفرزدق وجرير، والبحتري والمتنبي، وأبو فراس والسعدي، والأنوري وإقبال وشوقي وألوف أمثالهم لفَنُوا وبادوا غير آتين على شطر منه مهما جادت قرائحُهم وفاضت طبائعُهم، يُهْدِي الناس إلى الملوك فصيحَ شعرهم وبليغَ كلامهم، ويا ربِّ! ليس عندي ما أُوَافيك به، فإني ولو استعَرْتُ الفصاحة والبيان من سحبان وائل لأَلْكن وأعيا في جنابك مِن باقل، إن كلماتي من العيب والعار بمكان إذا أُورِدت إلى بابك، وإن كانت على ذروة المديح والمفاخر إن قُصِد بها ملوكُ الدنيا وسلاطينها.

قالوا: ما لنا نقرأ كتب العقيدة والكلام فلا تروي لنا غليلا ولا تشفي منا عليلا، بل ولا تُعرِّفنا بربنا كما عرَّفتْنا به كلماتك هذه،

قلت: لأن الفلاسفة والمتكلمين مثلهم كمثل الذي رأى أمواج البحر، فشُغل بها وأُعْجب بصَخَبه وعُبَابه، وزَبَده واضطرابه، ولو أنه غاص في البحر لصادف الجواهر والدرر في أحشائه كامنة، أو كالذي سمع بليلى صاحبة قيس بن الملوّح وتبع آثارها فَتاهَ وضَلَّ في غبار ناقتها وقَتامها دون أن يَلحق هَودجها ومحملها، ثم انقلب ناكصا على عقبيه خائبا، فلما سئل عن جمالها ومحاسنها بات يُحدث عن مُنعرَج اللِّوى وحِصن السموأل، والسِّقط بين الدَّخول فحَومَل، وعن صحراء نجد ورمالها، وعن كُثبانها وتلالها، ورسومها الدارسة وأطلالها. ألا إن بين القوم وبين الله تعالى حجبا كثيفة وستائر صفيقة ذات نقوش وألوان أَبْلَوا طاقاتهم وأتلفوا أعمارهم مخدوعين بالرقوش والخطوط مغرورين مخيَّلاً إليهم أنهم نالوا بغيتهم وحققوا أمنيتهم، وأنَّى لهم ذلك؟.

قالوا: فماذا توصينا؟

قلت: كونوا مع العلماء العابدين، الأبرار الصالحين، الأخيار الصادقين، المخبتين إلى ربهم المنيبين، وإياكم إياكم وصحبة أناس ثرثارين مِهذارين، وفي باطل من القول سادرين، وإلى التوبة غيرِ مبادرين.