من العصر الحجري إلى الإنسان الحجري

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: إننا لنعجب من هذه القفزة التي قفزها الإنسان من العصر الحجري إلى العصر الحديث.

قلت: أي قفزة تتحدثون عنها؟

قالوا: كان الإنسان في ذلك العصر يعتمد على الحجارة يقطّعها، وينحتها، ويصنع منها الأسلحة والأدوات المختلفة، وهو مبدأ نمو الحضارات البشريّة، ويسمى عصر ما قبل التاريخ، بينما تطور الإنسان اليوم تطورا هائلا في العلوم والفنون والثقافات والتكنولوجيا، وبلغت الحضارة اليوم عِلياء لم يحلم بها عهد من العهود.

قلت: إن ما ذكرتم لا علاقة له بتطور البشر أصله وفرعه، باطنه وظاهره، ووجهه وصورته وهيئته، ونفسه وعقله وقلبه، وإنما هو تطور حاصل خارج البشر، تطور في أسباب ووسائل سخرها له ربه تسخيرا، لو نظرتم في الأمر نظرا لكشف النظر عن حقيقة التطور الذي زعمتم، ولخجلتم من التباهي بما تباهيتم،

قالوا: هذا مجمل من القول فأتنا ببيان يزيل الخفاء ويفصل الحق في كلمات واضحات،

قلت: إن الإنسان لا يميزه عن غيره من الخلق إلا ذاته، وهي عبارة عن جسده وعقله وقلبه، وتطور الإنسان هو تطوره في جسده وعقله وقلبه، ولم يتحقق أي رقي في شيء منه، فالجسد هو الرأس والوجه والقامة المعتدلة، والعقل أداة للإدراكات، ولم يزل مدركا منذ بدايته، أبوانا آدم وحواء عليهما السلام كان عقلهما متطورا تطورا تاما لإدراك ما حولهما، ومعرفة ربهما، وتلقي أوامره ونواهيه، وتبادل الآراء والأفكار والمشاعر فيما بينهما ومع غيرهما من الملائكة والجن، وكان قلبهما سليما للمحبة والكراهية وللخضوع والاستسلام، والتمرد والعصيان، ثم الندامة والتوبة.

وقلت: لعل الحق أن الإنسان كان متكاملا جسدا وعقلا وقلبا وسلوكا في العصر الحجري بل وقبله وبعده، ثم تناقص في عصرنا مصابا بتقهقر في جسده وعقله وقلبه وسلوكه، إن كانت البيوت والآت من الحجارة والصخور في مطلع الوجود، فإن الإنسان نفسه في عصرنا قد جمد وتصلب، جسده من الحجر، وعقله من الحجر، وقلبه من الحجر، وسلوكه من الحجر، حرس إنسان الزمن القديم إنسانيته محافظا على قيمها، وتخلى إنسان زمننا عن إنسانيته متخاذلا عن قيمها ومستهترا لها استهتارا، ناكصا مرتدا، متحجر العقل والفهم، وجامد القلب والشعور.

قالوا: اشرح لنا تدهور ابن آدم في جسده وعقله وقلبه وسلوكه؟

قلت:

1- كان الإنسان القديم يرعى جسمه رفيقا به وناظرا في حاجاته نظر سياسة، ومتساوقا بينها وبين طبيعته وببيئته وطعامه وشرابه، أما إنسان اليوم فقد سطا على جسمه، يجري وراء المال ولو على حساب طبيعته يسيئ إليها أيما إساءة، ومهددا بيئته، يلوثها ويسممها، ويخل بعناصرها، ويفسد ما فيها من انسجام وتوافق، ولا يهم الإنسان المعاصر إلا لذة الطعام والشراب مهما جرَّت عليه من الويلات، معتادا تناول الوجبات السريعة تزيده سمنة وانتفاخا لما تحتوي على مقادير عالية من السكر والدهون، ومعرضًا نفسه لأمراض مزمنة ناتجة عن الشره.

2- كان الإنسان في القديم يُعمل عقله لصالح نفسه، ناظرا في عواقب الأمور، وهو العقل الضامن لسداد الرأي وتدبير شؤون المعاش والمعاد، بينما إنسان اليوم قد تعامى عن العواقب، وتغافل عن النظر في المآلات، ومراعاة المصالح والمفاسد، إن الحياة البشرية مبنية على استجلاب المصالح الدنيوية والأخروية، ودرء المفاسد بكافة أنواعها وأشكالها، والعقل لا يأمر بالإقدام على فعل أو الانحجام عنه إلا بعد تبصره بما يؤول إليه ذلك الفعل: أيستجلب مصلحة أو يدرأ مفسدة، إن الإنسان الكيس الفطن يتدبر عواقب الأمور في تروٍّ وتأمل: إلام تنتهي وتصير؟ وما النتائج التي تترتب عليها؟

3- الإنسان في القديم لين القلب، رقيق الشعور، مرهف الحس، قوي العاطفة، جاري الدموع، ساكب العبرات، باسم الوجه، كلف بالحسن والجمال، مشغول بالحبيب، يحب ذوي أرحامه وجيرانه وأزواجه وذرياته والخلق أجمعين، يشتاق إلى لقاء الأخلاء، ويحزن على فراقهم، يشق الجيوب وتدمى له الخدود، بينما إنسان اليوم قاسي القلب، جامد الدمع، خال من الجوى، جاهل السماح، منكر المعروف، لا تهمه في العلاقة البشرية إلا منافعه ومصالحه الشخصية، مبتلىً بضعف المشاعر وتبلد الأحاسيس وجمود العواطف.

4- كان الناس في الماضي رفيعي السلوك، صائني النفوس، أخدان الشمائل الكريمة والسجايا، مبرزين آدابا وأخلاقا، فصاروا اليوم دنسي النفوس، لا يتعلمون سنة ولا أدبا ولا سلوكا، ويعانون من انحلال الباطن وفساد التربية، وقد صادرتهم الأفكار الرديئة والانحرافات الفكرية ومالا تحمد عقباه من السلوك الشاذ، متصبغين بصبغة حضارة فاسدة ومتغررين بها، ولاهثين وراء الموضات والتشبه بالفساق والكفار، اجتاحت الفوضى مجتمعهم وساد الاضطراب أسرهم وبيوتهم.

قالوا: اكشف لنا عن مستقبل الإنسان في ضوء ماضيه؟

قلت: يغلبني اليأس إذا قارنت بين مستقبل فرع خبث وماضي أصل طاب؟ لا تتبعوا الماضي سؤالكم، وعرِّجوا على الباقي لم خبث و كيف نكد؟ إن لم يقم العقلاء لتدارك الوضع فإنه سيفقد مزيدا من إنسانيته وسيصير مثل البهائم أو الأحجار والآلات، بل وسيهوي في هوة لم يتردَّ إليها إنسان في العصر الحجري ولا إنسان قبله أو بعده، ممتهنَ العرض، ساقطَ النفس، ذا الوجهين، خائن العينين، سفيه العقل، متحجر القلب، جامد العاطفة، خامد الشعور، وبليد الإحساس، إن للأشياء عللا مختلفة وأسبابا شتى، وليس لتحجر إنسان اليوم إلا علة واحدة، وهي تطوره في القشور والوسائل والآلات دون الألباب والحقائق والغايات، فيا لسخافة قدره!.