من أنت؟

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: سألناك: مَا أنت؟ فبصَّرتَنا بمذهبك ومنهجك في مقالٍ لطيفٍ رائعٍ أخَّاذ، وقد صَبونا إلى أن نعرف مَن أنت وما هويتك؟

قلت: أنا سَليل العَدَم وصَريعُ المَوت، أتى علي حين من سالف الدهر لم أكن شيئًا مذكورا، غير ممتطٍ جسمًا ولا مستبطن روحًا، لم أذق معنى حياة ولم أسكن إلى نفَس، غير مرتدٍ زينة ولا جمالاً، لم يودع فيَّ قلبٌ يحكمني، ولا عقلٌ يكبح جماحي، لا أم لي ولا أب، ولا أخت لي ولا أخ، منبتُّ أصل ومَبتور فرع، غير منتسب مع المنتسبين ولا متفاخر مع المتفاخرين، تباينني معاني المدح والثناء، ووتتنكب عني المثالب والهجاء، عاري اللسان والبيان، مجرد عن قلم وقرطاس، غير آلف إرادة ولا مشيئة، ولا متحيز زمانا ومكانا، لا اسم لي ولا رسم، لم يبك علي الباكون، ولم يبتسم لي المبتسمون.

خلا شطر من الدهر ولم يخلق التراب الذي هو أصلي، ولم تبهر الكون الشمس التي بها ضيائي، ولم يطلع القمر الذي أهتدي به في الظلمات وأعدُّ به الشهور، وما فاض الماء الذي به حياتي، وما جرى الهواء الذي به نفسي، والكواكب غارقةٌ في العدم والنجومُ، لا ليل ولا نهار، ولا أرض ولا سماء، ولا السحاب المسخر بينهما، ولا الجبال والأنهار والبحار، وقبل أن يوجد القرون وبنو القرون، وذوو المدائن والحصون، وذوو التجبر في المجالس والمتكبرون المتبخترون، وقبل أن يكون ربح وخسران، ونعيم وشقاء، إن التأمل فيما سبق الخلق وسبق الزمان والمكان يدع الصحيح العقل حيرانا وسكرانا، فهل من ناطق لسِن أو ذي لب فطِن يقص علينا نبأه أو يروي لنا خبره؟.

وستداهمني المنية وتبطشني بطشًا شديدا فلن أجد إلى دفعها والتخلص من براثنها سبيلا، تطوى علي الأرض، وأخرج مما في يدي، وأصرخ وأصيح مستغيثًا فلا تجاوزني صرخاتي وصيحاتي، وأبكي فتأبى علي دموعي وعبراتي، وأسعى لأهرب فلا تطاوعني رجلاي، وأحاول أن أصرف عينَيَّ عن ملك الموت من هول ما أرى فلا أقوى، وقد أنشب الخَوَر فيَّ أظافره، دائرة علي رحى الموت ذاهبة بما في من صلف وتيه، لا يعمل فيَّ طب ولا دواء، ولا تنجع حيلة ولا تدبير، وأهلي وأقاربي حولي جالسون قد غلبهم الحزن والوجوم باكين نائحين، قاسمتُهم همومهم وهم عند سكراتي وأناتي لِهَمِّي غير مشاطرين، وسينعى ناعيهم قائلا: مات في هدوء وسكون، غير ذائقين فجعاتي وكرباتي، ولن تترك المنون لإلف إلفا، ثم يحملونني على آلة حدباء إلى محلة متدانية الأجداث مختلطة العظام والرفات، ثم أضجع في قبري ولحدي، يحثى علي التراب ويهال، ثم يُولُّون عني نافضي أيديهم مما لصق بها من غبار، وأكون لديهم نسيًا منسيا، وما أبعد الشيء إذا فُقِد، وأصير منفردا وحيدا، ومُرتَهَنًا هناك بما لدي، ويتلقاني ملائكة ربي سائلين، فلا أدري ماذا يكون جوابي.
وسأُبعث في يوم يجعل الولدان شيبا، تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، يفر مني أبواي وإخواني وأهلي وأولادي وأخلائي، لا مفر لي ولا وزر، إلى ربي يومئذ المستقر، وأقوم لرب العالمين، ليس بيني وبينه ترجمان، يسألني عن نعمه هل شكرته عليها أم كفرت، وأُسلب قدرتي على الكذب والخديعة، فليس ثم إلا صدق، وليس وراء ذلك إلا الجنة أو النار.

قالوا: كأن كلامك وكلام أبي العتاهية من مشكاة واحدة،

قلت: لا أنكر استفادتي منه، فقد حفظت كثيرا من شعره عن ظهر قلبي وأنا طالب في مدرسة في جونفور، وكنت معجبا به وبمعاني الزهد التي أبدع فيها وأجاد وبذَّ فيها سائر الشعراء.

قالوا: عَرَجت على ماضيك ومستقبلك، بينما توخينا أن نطلع على هويتك في هذه الحياة الدنيا؟

قلت: أُهبطت إلى هذه الأرض غير متشوِّف إليها ولا مبتغيها لي وطنا، ورُكِّب لي جسد وروح فتآلفا قبل أن يتعارفا، ورُبط بينهما بوشاج وثيق كان بقاؤه حياتي، وانقطاعه مماتي، ونسبتُ إلى أب وأم مفطورًا على حبهما، وجعل لي نسب وصهر، وفسح لي زمان ومكان وأعطيت لغة، غير صانع شيئ من ذلك ولا سائله ولا مقترحه اقتراحا، وخلقت فقيرا، جاهلا، عاجزا، عجولا، كسولا، متكلا على عيني، وأذني، ولساني وشفتي، وعقلي وقلبي، غير مستغن عنها، ومحتاجا إلى الطعام والشراب، والراحة والنوم، إذا اختل جهاز من أجهزة جسمي أو اضطربت جارحة من جوارحي أدبر عني الهدوء والقرار، ولحقني هلع وإزعاج، ووُوري جسمي بغشاء من جلد إن سُلِخ انحسر عن منظر بشع فظيع مستهجن مريع، حاملا في بطني أدناسا وأقذارا، وإنك لو استنشقت باطن صحيح لوجدته أنتن من أي ريح، ثم ذهبتُ في الأمور فرطا، وركبتُ من الأعمال شططا، وطغيتُ وفي غي طغياني أعمه غير باغ رشَدا، وقلما أزايل نائبة، أو أجافي جائحة، حولي بطون جائعة، وأجساد عارية، وأيتام وأرامل في بيوت خاوية، ذات عيون باكية، وأحشاء طاوية، لا أرعوي لحوادث ولا خطوب داهية، منغمسًا في لهو وفي لعب، والموت يطاردني فاغرا فاه، وعلمي بأني أذوق الموت نغص لي طيب العيش فما أستمتع بصفاه.

قالوا: أتشاؤمًا كتشاؤم أعميي البصر والبصيرة عبقري معرة النعمان، وعميد الأدب العربي صاحب “الأيام”

قلت: هما شيخاي في اللفظ والصناعة دون الفكر والمعنى، فإني لِغَيِّهما لمن أشد الماقتين المبغضين الكارهين،

قالوا: فما لك متشكِّيا عائبا فمن تنحي عليه باللائمة؟

قلت: لا أعزر أحدا، وإنما قصدت تعريف نفسي، وتذكيرها بحقيقتي، فتعرف حدها لا تجاوزه، ولا تفخر ولا تتيه، وذوو التيه يصابون ويهلكون وإن تاهوا،

قالوا: أو ليس الملام يرجع إلى ربك؟

قلت: معاذ الله إنه ربي أكرمني ونعمني وأحسن مثواي، سألتموني عن هويتي، فأمطت النقاب عنها، أما ربي سبحانه وتعالى فقد حدثتكم عنه في مقالين سابقين، وسأحدثكم عنه في مقالات تأتيكم، فما أنا بحمده مشبعا ولا عن شكره فتورا ولا لذكره قطوعا، إنه ربي الرحمن الرحيم، العزيز الحكيم، خلقني وهنا على وهن وأنا متبختر، وجعلني محتاجًا فقيرا وأنا مستكبر، ولو أنه أنشأني مستغنيا لكنت طاغيا كفورا ظلوما غشوما جهولا حسودا حقودا عسوفا، فإنه من رحمته ورأفته أن خلقني كما شاء، ولو أنه خلقني كما أشاء لكنت مهزأة وملعبة للشيطان، وما مشيئة من لا يعلم ولا يقدر؟ فإلى الله أشكو تضييقي ومسكنتي وتقصيري وقسوتي، وهو المستغاث به، وبه حولي وقوتي.

واستودعت الله أموري كلها، إن لم يكن ربي لها فمن لها، فهذه كلمتي مخبرة بحالي، طوبى لمن سمعها واعتبربها، وأسلم لربه واتقاه، واعلموا أن الله مع المتقين.