مقادير الصلاة وعدد ركعاتها

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: ما الصلوات المفروضة والمسنونة وركعاتها؟

قلت: قد ذكرت لكم في مقال سابق أن صلواتنا موقتة بمعنى قول إبراهيم عليه السلام “لا أحب الآفلين” متجنبة أوقات عبادة المشركين عبَّادِ الشمس والكواكب والنجوم، وبناء على ذلك فالصلوات المفروضة عشر ركعات بالنهار وعشر بالليل، والعشرة كمال في كتاب الله تعالى إذ قال: “تلك عشرة كاملة”، والمجموعة عشرون ركعة، فأما صلوات النهار فهي ركعتان في الصبح، وأربع ركعات في الظهر، وأربع في العصر، وأما صلوات الليل فهي ثلاث ركعات في المغرب، وأربع في العشاء، وثلاث في الوتر.

وكذلك الصلوات المسنونة عشرون ركعة، ركعتان قبل صلاة الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وثمان ركعات في التهجد، ولم يسن النبي صلى عليه وسلم أكثر من عشرين ركعة في الليل والنهار تأدبا مع فرائض الله تعالى، فإنه أول من لا يتقدم بين يدي ربه، ويا له من أدب رفيع وكمال في التواضع!

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في شهر رمضان ما لا يجتهد في غيره، أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي صلىوسلمه القرآن فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة”، فزاد النبي صلى الله عليه وسلم عشرين ركعة أخرى خاصة لرمضان يتدارس فيها القرآن الكريم، وتبعه في ذلك أصحابه رضي الله عنهم.

قالوا: جعلت الوتر فرضًا، وهو قول لم تُسبق إليه،

قلت: لم أجعله فرضًا، ولكني ألحقته به، وقد عبر عنه أبو حنيفة بالواجب، وبعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالحق، وسائر العلماء بالسنة، لأنهم علِموه بالسنة، ولكنهم أكدوا عليه ما لم يؤكدوا على غيره، ورأوا قضاءه على من فاته.

قالوا: ما للنبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على الصلوات الخمس دون الوتر في أحاديث كثيرة صحيحة؟

قلت: لأن الوتر تابع للعشاء، فلم يحتج إلى أن يفرده بالذكر، وهو آخر صلاة الليل، وقد يشق على كثير من الناس النهوض له والانتباه من النوم، فخفَّفه ظاهر التخفيف رحمة بهم.

قالوا: فلماذا قُسمتْ ركعاتُ الفرض هذا التقسيم؟

قلت: الكمال لله هو توحده وتفرده، ولا يشاركه فيه شيء من خلقه، وأما الخلق فكماله الزوجية، والركعتان زوج، وأضيفت إليهما ركعتان أخريان لكمال الزوجية، وإظهارا لتشوق المؤمنين وميلهم القوي إلى الاستكثار من نعمة الصلاة، فكانت صلوات الظهر والعصر والعشاء كل واحدة منها أربع ركعات.

وجعلت الفجر ركعتين استجابة لأمر الله تعالى “وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا”، فكان طول القراءة فيه مندوبا أشد الندب، ولو أن العبد قام للفجر وأطال القراءة وقرب طلوع الشمس خيف عليه أن تكون الركعات الثلاث بعد طلوع الشمس، فإذا كانت الفريضة ركعتين فإنه متى خاف طلوع الشمس وهو في قراءته في الأولى ضم إليها ركعة أخرى وانتهى من الصلاة صائنا إياها من أدائها في الوقت المنهي عنه.

وكانت صلاة المغرب شبيهة بالفجر في أن الفجر ملاصقة لطلوع الشمس والمغرب ملاصقة للغروب، وإذ لم يكن في المغرب خوف من غروب الشمس أضيفت إليها ركعة أخرى، ولم تضف إليها ركعتان حتى لا تشبه الظهر والعصر والعشاء، فأصبحت ثلاث ركعات، ونقص منها طول القراءة ليحصل التشابه بينها وبين الفجر، فطالت الفجر طالت بالقراءة، والمغرب بعدد الركعات، وصلاة الوتر آخر صلاة الليل فجعلت وترا كما أن المغرب آخر صلاة النهار من وجه، وهي وتر. ثم إن هناك حكمة أخرى، وهي أن الثلاث تنبئ عن النقص، فينتهي النهار بالمغرب وهي وتر، ويستشعر العبد نقصانه في العبادة وأنه لم يعبد ربه كما ينبغي، وكذلك حينما ينتهي في صلاة الليل بالوتر يستشعر هذا النقصان، الأمر الذي يجعل العبد متواضعا وراغبا في الاستكثار من العبادة، ومن ثم قال تعالى: “فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ”، فقسم الصيام وترا، وإن كان المجموع عشرة كاملة.

قالوا: فما تقول في حديث عائشة رضي الله عنها الصحيح: “فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر”؟

قلت: الوجه ما بيَّنتُه، وإنما ذكرت أم المؤمنين رضي الله عنها ما شاهدت، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مكة ركعتين ركعتين صلاة الخائف، والصلاة في الخوف مقصورة من عدة نواح كما لا يخفى، فلما هاجر إلى المدينة أتم، وهو قوله تعالى: “فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون”.

قالوا: إنما يصح قولك في الصلوات المسنونة إنها عشرون ركعة على حديث أم حبيبة رضي الله عنها، ولكنه لا يصح على حديث ابن عمر رضي الله عنهما،

قلت: حديث ابن عمر يقتضي النقص، ولا بأس بذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يتقدم بين يدي الله، ولكنه قد يتأخر، وعندي سبب آخر في ذلك، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي السنة في بيته فضبطتها أزواجه، ولم يضبطها الرجال ضبطهن.

قالوا: جعلت التراويح عشرين ركعة، فما تقول في حديث عائشة رضي الله عنها: “ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا”؟

قلت: حديث عائشة رضي الله عنها يؤكد ما قلت، فالثلاث هي الوتر، والثمان صلاة التهجد، فهذه الثمان مع الصلوات المذكورة في حديث أم حبيبة تجعلها عشرين ركعة، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يزيد عليها في رمضان وغير رمضان.

والتراويح سنة أخرى مختصة برمضان، وهي غير الرواتب التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب عليها في رمضان وغيره، ولم يتناول حديث عائشة رضي الله عنها التراويح، ولو أنها أرادت الصلوات كلها لما كان لقول النبي صلى الله عليه وسلم “من قام رمضان إيمانا واحتسابا” معنى مع قوله “من صام رمضان”، فكما أن هذا الصيام يختص برمضان، كذلك يختص هذا القيام برمضان، ولو لم تكن هناك صلوات خاصة في رمضان لما قال “من قام رمضان”، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد في الخير في رمضان، وهذا ما فهمه أصحابه رضي الله عنهم وجرَوا عليه متبعين إياه ومقتفين أثره، غير مبتدعين ولا محدثين أمرًا ليس من هذا الدين.

قالوا: وهل يجوز أن ينقص أحد من عشرين ركعة؟

قلت: لا كلام في الجواز، فإنها صلاة مندوبة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر أن يشق على أمته، فلا تشقوا على الناس، ودعوهم يصلوا ما تيسر لهم.


قالوا: فما تقول في أهل المدينة وقد زادوا على العشرين؟

قلت: لم يجعلوا هذه الزيادة سنة، وإنما زادوها حرصا على مسابقتهم أهل مكة إذ كانوا يطوفون بين كل ترويحتين. فما داموا لم يسنوها فلا بأس، فإنه يجوز للمسلم أن يتنفل بما شاء ما لم يجعله فريضة أو سنة.