معنى الإجازة

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: نراك محتفيًا بالاستجازة من الشيوخ مشافهة ومكاتبة احتفاءًا عظيمًا، ومُحلاًّ إياها موضع إجلال واعتبار بالغين، منهومًا بها غير شبعان، فما غناء هذه الإجازات التي اقتنيتَها واعتلقتَها مفتتناً بها افتتان الناس بالذهب والفضة والأحجار الكريمة وسائر ما يسمى بالهوايات؟

قلت: يعتمد بلوغُ قيمتها على استيعاب مدلول السند ومغزاه.

قالوا: فما هو السند؟

قلت: العلم إما نظر أو خبر، فإن كان من نظرك أي مما طوَّرتَه واستنبطتَه أنت باستخدامك حواسِّك وعقلك، فإنك تحتاج إلى أن تُثبته وتقرِّره بدليله، وإن كنتَ تلقَّنْتَه من غيرك ممن طوّره واستنبطَه، فإنك تحتاج إلى أمرين: الإحالة على مصدره، وتقرير دليله، إلا إذا انتهى العلم إلى نبي، فحسبك إحالتك على وسائطك إليه، وهذه الإحالة تَسُدُّ مَسَدَّ الأمرين جميعًا مستغنيةً عن تقريره بدليل أو برهان.

قلت: فلما بَانَ أن الخبر يُعوِّل صدقُه على الوسائط بينك وبين مصدره الأول الذي بدأ منه فاعلموا أن هذا الدين أساسه القرآن والسنة، وقد تعهد الله عز وجل بحفظ كتابه لفظا ومعنى، فملأ الأسماعَ نعيمةً به هنيئة، وردَّدته الألسن عطرة به متضوعة منه، ووعته القلوب خاشعة له مطمئنة به، وقرَّت به العيون مستعبرة دامعة، من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا جيلا إثر جيل وقرن بعد قرن مجتمعة عليه غير مختلفة، فلا تحتاج فيه إلى ذكر وسائطك.

قالوا: فما رأيك في مصاحف الصحابة رضي الله عنهم، واختلاف القراءات؟

قلت: سأعرض لذلك جاليًا له معلّلاً في مقال آخر إن شاء الله تعالى.

قلت: تلقى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سننه وسائر ما يتصل به إما من نطقه الشريف أو من فعله أو من تقريره حافظين لها عن ظهر غيب أو مقيدين لها كتابة، وبلَّغوها مَنْ بَعدهم في صدق وأمانة، ثم تَلَتْهم طبقاتٌ من العلماء متتابعة تتناقل الأحاديث والآثار كلها كتابة ورواية، وآضَت الأخبار تُروى سماعًا من ذَويها، أو قراءة عليهم مقرونةً بذكر الوسائط من مبدئها إلى منتهاها، والسماع والقراءة أشرف وسائل الأخذ والتلقي وأسماها، وأمتن طريق وأحكمها لتوثيق الخبر وصيانته من التحريف والتصحيف، وسَمَّوا الوسائطَ سندًا، لأن الخبر بها ينتصب وعليها يقوم مستحكما موثَّقا، فقولهم: “مالك عن نافع عن ابن عمر” سند يُظاهر أن مالكا أخذا هذا الخبر عن نافع، وأن نافعا أخذه عن ابن عمر، وذكرُ السند يُسمى إسنادا.

قالوا: أيقنَّا غير رائبين أنه أفضل منهج علمي لتوثيق خبر أو حديث، ولكن ما جدوى بقاء السند عن مالك بعد أن ضمَّن مروياتِه الموطأ، وما لهم لم يحيلوا على الموطأ مباشرة؟

قلت: من أجل أمرين:

أحدهما أن كل من أخذ الموطأ من مالك اختلف عن غيره في حديثه وفي كيفية الأخذ، فمست الحاجة إلى أن يسمى الراوي عن مالك تمييزا لمرويه عن غيره،

والثاني: أن العلم جهد بشري يتكون من ثلاثة عناصر: المعلِّم والمتعلم والمعلوم، والمعلوم هو معلوم هذا الإنسان الذي استفدتَه منه، وبعد أن اكتسبتَه منه أصبح هو معلومَك، تنقُله إلى غيرك، فالمعلم إنسان، والمتعلم إنسان، والمعلوم إنساني، إذًا لابد في تناقل العلم وتوارثه من عملية إنسانية،

قالوا: فأين يقع الكتاب من ذلك؟

قلت: الكتاب هو أثر ذلك المعلوم وتقييد له، وليس هو المعلوم نفسه، والواجب أن ترفع المعلوم إلى شيخك الذي وصل إليك منه، ولم ينزل الله تعالى الكتب والصحف وحدها، بل أرسل معها أنبياء يعلِّمونها الناس ويبيّنونها لهم بَيانا.

قالوا: قد أدركنا خطورة الإنسان في مسار العلم، ولكن ما صلة ما أفَضْتَ فيه بالإجازة؟

قلت: إن السماع والقراءة هما الوسيلتان الأساسيتان لنقل العلم مُطْبقةً عليها عامة الشعوب والأمم غير متنازعة ولا متباينة، وليس يخفى أن علوم الناس أوفر وأغزر من أن يستقصيها الطالب سماعًا من شيخه أو قراءة عليه، وهي مسطورة في بطون الكتب والدواوين، ويسلك عامة الشعوب في الاستفادة منها مسلك الوِجادة، فترجع إليها مباشرة تستقي منها المعلومات، عازية إليها ما تحْمل منها وما تقتبس، والوجادة فيها آفتان: أولاهما الاستغناء عن الشيخ والمعلّم، والثانية قلة الدقة والضبط والإتقان، وقد تفشت تصرفات الناس في الكتب زيادة ونقصانا وتحريفا وتصحيفا، بل وكم من كتب أُلصقتْ بغير أصحابها.

فشدّد أهل الحديث في أمرها وبالغوا في الحذر، ولم يسمحوا للرجل بالعزو إليها ونقلها وروايتها إن لم يسمعها أو لم يقرأها إلا أن يجيزه بها شيخ من الشيوخ معروف بسنده إليها، فالإجازة طريق من طرق التلقي تالية السماع والقراءة في الرتبة، وهي مقيدة بالمعرفة والعدالة، أي لا يصح لمتلقيها أن يجيز بها غيره إلا إذا كان عارفا لما يجيز عادلا فيه.

قالوا: ولكن تسرّب إلى الإجازة من التساهل والتغافل ما أنت به عليم.

قلت: لا يقتصران على الإجازة دون السماع والقراءة، فكم من مسمع غير متيقظ وغير عالم بما يسمعه، وكم من سامع غير منتبه وغير واع لما يقرأ، والتساهل والتغافل في السماع والقراءة متوافران في العلوم الدينية والعلوم والفنون غير الدينية، وهما من أسباب تضعيف الخبر وتوهينه لدى أهل هذا الشأن.

قالوا: عرفنا قيمة الإجازة، ولكن ما هذا الاستكثار منها وأي طائل تحت الاستزادة منها؟

قلت: ألا ترون أن الكاتب قد يحيل على مصدر أو مصدرين وقد يحيل على مصادر يستوفيها استيفاءا، فإذا غَرُزت المصادر وتنامَتْ تعاضد بعضها ببعض، وكذلك الإجازات تتعاضد وتتساند، ثم إذا تعددت الطرق وتباينت الوجوه تيسرت المقارنة بينها والموازنة، وهان ترجيح خبر على آخر، وتفضيل الأسانيد بعضها على بعض.

قالوا: فما ثمرة الإجازات النازلة، وقد رأينا الرجل يروي الصحيح من طريق أهل الهند إلى أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار، ثم من طريق الحجازيين والشاميين إلى الحجار، ثم من طريق المصريين والمغاربة إلى الحجار، قارنًا بينها وضامًّا بعضها إلى بعض من الحجار إلى البخاري، هلاَّ اقتصر على طريق واحد إلى الحجار؟

قلت: أليس الكاتب يعزو إلى مصدر أصلي أساسي مضيفًا إليه مصادر فرعية هامة لاسيما المشهورة منها والغريبة؟

قالوا: بلى،

قلت: كذلك الأسانيد والإجازات فإنه يُهِمُّ أهل هذا الشأن سردُ طرق المتأخرين المشهورة والغريبة رغبة منهم أن يتحققوا من طريق ابن حجر إلى الحجار، ثم طريق ابن ناصر الدين إليه، ثم طرق غيرهما، ويُعنون بطرق من اشتهر من المتأخرين من المصريين والحجازيين والشاميين والمغاربة والهنود، والأصل في ذلك هو التعزيز والتعضيد. قالوا: قد نرى الناس يتفاخرون بكثرة إجازاتهم وتشعب طرقهم وأسانيدهم. قلت: ما لهم يُفْردون بالطعن من بين غيرهم ممن يتظاهر في كتاباته بكثرة الإحالات ويتباهى بتفخيم مصادره ومراجعه؟

قالوا: كيف يجيز المحدثُ من ليس بعالم، بل وقد يجيز الصغار.

قلت: إن منشأ هذا السؤال هو عدم التمييز بين معنى الإجازة ومعنى الشهادة. فالشهادة هي إصدار سند توثيقي للطالب بما حصَّل من الكتب والعلوم والفنون والآداب، كشهادة العالمية والفضيلة والشهادات في الجامعات. وليست الإجازة شهادة، وإنما هي إذن للطالب بالرواية إذا استكمل الأهلية، وثمة فرق بين حال الأخذ والتلقي وحال الإسماع والإقراء، يصح للطفل أن يتلقى الإجازة ولكن لا يصح له أن يجيز بها، وكما أن المتلقي من طريق السماع والقراءة ليس من شرطه أن يكون عالما كذلك المتلقي من طريق الإجازة وما دونها ليس من شرطه أن يكون عالمًا أو متقدمًا في الطلب.