معنى “إن شاء الله”

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: ما معنى “إن شاء الله”؟

قلت: وهل يخفى على مسلم معنى هذه الكلمة التي هي منطلقنا في حياتنا وعليها عمادنا؟

قالوا: قد كثر استعمالها بين الناس كثرة غيَّبت عنا معناها ومغزاها، نلفظ بها مرات وكرات دون أن نتوصل إلى حقيقتها، وقلما نستيقن أنها تدر علينا بنفع إن نطقنا بها، أو يلحق بنا ضرر أو فساد أو نقصان إن سكتنا عنها أو أغفلناها إغفالا، فأخبرنا بمعناها الصحيح وعلِّمنا مما علَّمك ربك تعليما،

قلت: هي كلمة التوكل على مولانا عز وجل.

قالوا: بيِّن لنا مرادك بيانا شافيا.

قلت: الواجب علينا إذا قصدنا شيئا أن نأتي أسبابه ووسائله التي فرضها العزيز العليم مطيعين لأوامره، ومجتنبين نواهيه، فإذا تحقق هذا المقام السني تحتم علينا أن لا نثق بما طرقناه من أسباب ووسائل، بل نفوض إنجاز المقصود وتحقيق النتيجة إلى الله تعالى، فنقول: إن شاء الله، أي إن قضى الله وقدَّر وحكم.

قالوا: فما فائدة اتخاذ الأسباب والوسائل؟

قلت: جعلها الله علامات لإرادة العباد وطلبهم للشيء، وهذه الأسباب والوسائل لا تمضي شيئا من مطالبهم ولا تقربها إليهم، وإنما المطالب والمقاصد كلها بيد الله تعالى وحده، تُوجَد بعلمه وقدرته متى شاء وكيف شاء ولمن شاء، وهو الغالب على أمره لا راد له، ومن ثم وجب على عباد الله المؤمنين به أن يتوكلوا عليه، قال تعالى: “فإذا عزمت فتوكل على الله”، والتوكل أعلى ذرى الإيمان وأوثق عراه، وهو العصمة في شؤون الدين والدنيا وأحوالهما كلها.

قالوا: فهمنا أن الفرض علينا أن نتوكل على ربنا ولا نعوِّل على مساعينا وجهودنا، والتوكل فعل العقل، وأي دور فيه للسان حتى نقول: “إن شاء الله”.

قلت: أصبتم في قولكم إن التوكل فعل العقل، ولكن اعلموا أن العبودية التامة لا تتحقق إلا إذا شهد اللسان بما اطمأن إليه الجنان، ألا ترون أن العبد يؤمن بربه، والإيمان فعل العقل، ومع ذلك فهو مأمور بالنطق بالشهادتين، لأن الشهادتين إقرار وتسليم، ومن ثم كان النطق بهما أول الإسلام، وإن التوكل هو أقصى غاية الإيمان، ولا بد من النطق به إكمالا للعبودية وإظهارا للخضوع والاستكانة والعجز، وتسليما لقدرة الله وعلمه ومشيئته.

قالوا: اشرحه لنا بمثال.

قلت: مثلا: نويتم حج بيت الله الحرام أو الاعتمار، وتأهبتم له آخذين وسائله وأسبابه من الأموال والمراكب، ولوازم الرحلة والزمالة والصحبة والإقامة، فإذا تمت لكم الضرورات والحوائج والذرائع كلها، فلا تقولوا: إنا حاجُّون أو معتمرون، إلا مقيدين قولكم بمشيئة الله تعالى.

قالوا: فإذا توكلنا على الله وأعربنا عن توكلنا بكلمة “إن شاء الله تعالى” أيجب عينا أن نكرر النطق بها كلما أخبرنا أحدا بقصدنا للحج؟

قلت: لا،

قالوا: ههنا رجال يقولون: “إن شاء الله” كلما أخبروا بقصد لهم في المستقبل.

قلت: أخطـأوا في قولهم ولم يفهموا معناه، وكأنهم ظنوا أن “إن شاء الله” كلمة تقرن بكل فعل من أفعال المستقبل، فاعلموا أنه لا يجب عليكم النطق بذلك القول الجليل إلا مرة واحدة، وذلك بعد الاستعداد اللازم لغرضكم، فتفصحون بتوكلكم على رب العالمين.

قالوا: فما معنى “ما شاء الله”؟

قلت: هو الإعراب عن التوكل فيما مضى من الأمر وثبت.

قالوا: ما تأثير هذه الكلمة في أمور محسومة مفروغ منها؟

قلت: فائدتها أن يتجنب الإنسان الكذب والكفر والطغيان والاستكبار، فكل ما تحقق في الماضي إنما تحقق بمشيئة الله تعالى، فلا يجوز للعبد أن ينسى ذلك، ويدعي إحداث شيء منه إلى نفسه بهتانا وزورا، فيورثه تيها وخيلاء وعصيانا وعنادا.

قالوا: متى نقول “ما شاء الله”؟

قلت: كلما أعربتم عن إنجازكم لشيء وحديثكم عما اتخذتم من أسباب ووسائل في سبيله وجب عليكم أن تقولوا: “ما شاء الله” حتى لا تنسبوا شيئا من الخيرات والبركات إلى أنفسكم.

قالوا: رأينا كثيرا من الناس إذا رأوا جمالا أو كمالا في أحد قالوا: “ما شاء الله”،

قلت: أخطأوا، كأنهم ظنوا أنها كلمة تقال إذا رأوا شيئا يعجبهم، اعلموا أنها كلمة التوكل، والجمال من عند الله تعالى لا يحتاج إلى التوكل، لأن التوكل هو في مساعي الناس، وكذلك الكمال أكثره من عند الله مباشرة، وبعضه يعقب الجهد البشري، ولا تؤمر بالإعراب عن التوكل عند مجهودات الآخرين فلا تقولن عند ذكرك جمالك أو جمال غيرك “ما شاء الله”، ولا تقولن عند ذكر كمال الآخرين مما اجتهدوا له “ما شاء الله”، وإنما تقول “ما شاء الله” فيما حققتَه أنت من منجزات متخذا لها أسبابها ووسائلها.

قالوا: قد سمعنا الناس يقولون “بإذن الله” مكان “إن شاء الله”.

قلت: هو خطأ بين وقع فيه العوام والعلماء، والصغار والكبار، فإذن الله هو أمره، ولا معنى لتقييد شيء بأمر الله وإذنه، إذ لا سبيل لنا إلى الاطلاع على إذنه وأمره، قال كبير أبناء يعقوب عليه السلام: فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي، علق عدم زواله عن الأرض بإذن أبيه، وهو موصول إليه عن طريق إخوته، أما إذن الله تعالى أو أمره فمحال أن يقف عليه إلا نبي أو ملك.

والذي أمرنا الله تعالى في كتابه هو التقييد بمشيئة الله تعالى في الماضي والمستقبل، وكلا الأمرين منصوص عليه في سورة الكهف، “فلولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله”، و”ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله”، وهذه الكلمة هي التي استعملها الله ورسله والصحابة ومن بعدهم من العلماء الصالحين، قال تعالى: “لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين”، وقال يوسف عليه السلام: “وادخلوا مصر إن شاء الله آمنين”، ولم يبلغنا عن أحد ممن سلف القول: “بإذن الله”.

قالوا: من الناس من يرى أن من كتب “إنشاء الله” واصلا أداة الشرط بالفعل فقد كفر.

قلت: وكيف يكفر؟

قالوا: لأن معنى ذلك – معاذ الله – أن أحدًا أنشأ الله،

قلت: هذا كلام جاهل بلغة العرب وكلام الناس وخطوطهم، فالمصادر تضاف إلى فاعليها كما تضاف إلى مفعوليها، وإنشاء الله معناه ما أنشأه الله، وقد جاء مثله في كتاب الله “هذا خلق الله” بإضافة الخلق إلى الله، ولا يشك شاك أنها إضافة المصدر إلى الفاعل، ثم إن هذا الذي كتبه موصولا نوى تعليق كلامه بمشيئة الله تعالى، والخط موصولا وإن لم يشتهر بين الناس فإنه جائز، والخط فن من فنون البشر، وإن قول الإنسان وفعله لا يفصلان عن نيته أبدا، لا في الإسلام ولا في غيره من الملل والنحل، إلا اليهودية، فالذي كتب “إنشاء الله” موصولا لم يرد الإنشاء، وإنما أراد المشيئة، ومن اليهودية الحكم على قول الإنسان وفعله مستقلين عن نيته وإرادته.

وقلت: فكلمة التوكل “إن شاء الله”، وإياكم أن تقولوا “بإذن الله في هذا الموضع، واجتنبوا البدع والمحدثات، ودعوا اللغو من الكلام، وأطيعوا ربكم محتسبين، وتدبروا معاني الكلمات قبل أن تطلقوها، ووفقنا الله وإياكم لتعميق الإيمان في نفوسنا وترسيخ جذوره في قلوبنا، آمين.