معنى آية القصاص

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

سأل سائل: قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) سورة البقرة 178. فهل يعني ذلك أن العبدَ إذا قَتَل حرًّا، فلا يُقْتَل العبدُ القاتلُ، بل يقتل مكانه حرٌّ آخر؟ وهل إذا قَتل الرجلُ الأنثى فلا يُقْتل الرجلُ القاتلُ، بل تُقتل مكانه أنثى؟

قلت: إنها آية أشكلت على كثير من العلماء والمفسرين والفقهاء، وقد وجَّه غير واحد من الباحثين والطلاب هذا السؤال إلي.

الجواب إن القتل في كتاب الله تعالى جريمة نكراء وكبيرة شنعاء، وقد سوى الله تعالى بين قتل نفس واحدة وبين قتل الناس جميعا، فقال: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) سورة المائدة 23. فمن قتل نفسًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا، فهل يمكن أن يُعاقَب القاتل هي هذه الدنيا؟ قلتُ: لا، وإنما العقاب المناسب يتحقق في اليوم الآخر بين يدي رب العالمين.

ولكنه لا بد للسلطة أن تردع الناس عن هذه الجريمة، وأن تعوض أسرة القتيل بما يكون فيه بعض العزاء لهم، فإذا قُتل رجل فقد فقد صغاره وأزواجه من يعولهم، فلا بد أن يكون تعويض لهم، فشرع الله تعالى قصاص النفس والأعضاء، وقصاص الديات، كما شرع كفارة في بعض أنواع القتل توبة للقاتل.

1- قصاص النفس والأعضاء: وذلك في قوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) سورة المائدة 45.

2- قصاص الديات: وذلك في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) سورة البقرة 178.

فالآية ليست في قصاص النفس، وإنما هي قصاص الديات، وهكذا فهمه أبو حنيفة رحمه الله تعالى، معنى الآية أن القتيل إذا كان حرا وجب على القاتل دية الحر، وأن القتيل إذا كان عبدًا وجب على القاتل دية عبد، وأن القتيل إذا كانت امرأة وجب على القاتل دية المرأة.

لماذا فرق الإسلام بين قصاص النفس وقصاص الدية في بعض الصور؟
يوجه هنا سؤال: إذا قتل رجل امرأة وتحققت شروط قصاص النفس وجب قتله، وإذا وقع الصلح على الدية، وجب عليه نصف دية الرجل، فلماذا تساوي نفس المرأة نفس الرجل في قصاص النفس، ولا تساويها في الدية؟

الجواب أنه لا فرق بين نفس ونفس، بل نفس الرجل نفس محرمة، ونفس المرأة نفس محرمة، فلذا سُوِّيتا في قصاص النفس وكذلك في كفارة القتل، وإنما وقع الفرق بينهما في الدية نظرًا إلى أصل آخر وهو أن الدية ليست ثمنا للقتيل وإنما هي تعويض لأهل القتيل لما أصابهم من ضرر، فالإنسان إذا فقد أمه فقد محبة وشفقة، وإذا فقد أباه فقد من يعوله ويرعاه، فوجب في قتل الرجل دية كاملة، ووجب في قتل المرأة نصف الدية، لأنها لا تعول، ومن ثم كانت المرأة في كثير من صور الميراث سهمها نصف سهم الرجل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.