معرفة الرب تعالى

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: عرّفنا بربِّنا مقرِّبًا إياه إلى مَداركنا تقريبًا، غيرَ شاطٍّ في القول ولا مقصِّر تقصيرا،

قلت: نِعْم ما رميتم إليه وسعيتم باعِثين في نفسي بسؤالكم هذا انشراحًا وطربًا،

قالوا: ما لك تهلَّلت بهذا السؤال التهلُّلَ كله وابتهجتَ به ابتهاجًا غير مسبوق؟

قلت: ألا يَهْنأ المرء ويَنْعم إذا سألتموه أن يحدِّثكم عن أبويه وأعز الأحبة وأصفاهم إليه؟

قالوا: بلى،

قلت: فالحديث عن ربنا تبارك وتعالى أحلى وألذ وأعذب من الحديث عن الآباء والأمهات ومن دونهم من ذوي الأرحام والأخلاء، وهو حديث لا شيء أطيب لدي وأعطر وأيسر منه، أرى قلبي ولساني فيه يتطاوعان، وعقلي وقلمي إليه يتسابقان.

قالوا: أنت أول من رحَّب بنا واحتفى بسؤالنا احتفاءًا، بينما صعُبت حاجتنا على كل من وضعناها بين يديه من سادتنا وكبرائنا؟

قلت: أي صعوبة في هذا، وأين الوعورة فيه؟

قالوا: يشغَل بالَنا أسئلة أوقعتنا في حيرة وارتباك ولا نجد إلى جواب عنها سديد رصين سبيلا، فلا ندري هل صفاته عين ذاته، أم هي غيرها؟ هل كلامه مخلوق أم غير مخلوق؟ وهل الذي غير مخلوق من كلامه هو الكلام النفسي؟ وما الفرق بين الكلام النفسي والكلام غير النفسي؟ وهل كلمات اليد والعين، والاستواء والنزول على ظاهرها أم هي مجاز؟ أنحن خالقون لأفعالنا شائين لها طائعين أم جُبِرنا عليها مقهورين كارهين؟

قلت: ما أجهلَكم بربكم، وما أضلَّكم عن سواء الصراط! أَجْدِرْ بكم أن لا تبرحوا بحدود ما أنزل الله جاهلين، وحُقَّ لكم أن لا تنفكوا في ضلالة تائهين غافلين،

قالوا: لا تقسُ علينا، وكن بنا رفيقا رحيما،

قلت: هل عرض القرآن الكريم لهذه المطالب؟ وهل اعتنى بها رسل الله وأنبياؤه عليهم السلام؟ أو أولاها الصحابة والتابعون اهتماما؟

قالوا: لا،

قلت: أليسوا أعلم الناس بالله تعالى وأخشاهم له؟

قالوا: بلى،

قلت: فاعلموا أنها أسئلة لا خير فيها، وأن عاقبتها هلاككم وهلاك من قبلكم وهلاك من بعدكم، فما لكم مشغوفين بها مفتونين، مُلِحِّين عليها مُلْحِفين؟

قالوا: لأن الفحص عنها يُحقِّق لنا معرفة ربنا؟

قلت: وكيف تتوصلون إلى الحقائق بكلمات يضعها الواضعون وألفاظ يفتعلها المفتعلون، لقد غَشَّتْكم صياغات مموَّهة وعبارات ملفَّقة، متوهِّمين إياها حقائق، أرأيتم ما هو أيسر معلوماتكم وأقربها إلى عقولكم؟

قالوا: عِلمُنا بالإنسان،

قلت: هل انتهيتم إلى حقيقته؟

قالوا: نعم، الإنسان هو الحيوان الناطق،

قلت: هل وَعَيتم حقيقة الحياة وحقيقة النطق؟

قالوا: لا،

قلت: فكيف زعمتم أنكم أصَبْتم حقيقة الإنسان وقد عزب عنكم حقيقة حياته ونطقه؟ وقِيسوا عليه سائر معارفكم وعلومكم، فإنها ليست بحقائق،

قالوا: فما هي الحقائق؟

قلت: إن الحقيقة شيء خارجي، وما الكلمات خلا إشارات إليها ودلالات عليها، فمثلا: كلمة التفاح ليست هي حقيقة التفاح، وإنما تشير إليها، بل إن معرفة المشار إليه ليست معرفة لحقيقته، فإن كنتم لم تذوقوا التفاح فإن هذه الكلمة مهما ربطتكم بالتفاح لن تعرِّفكم به، إن الوصول إلى الحقائق يعتمد على أمور غير الألفاظ والكلمات، وما أقل ما نتبين حقيقة أو نتجلاَّها.

قالوا: فكيف نطلع عليها؟

قلت: لا يعلم حقائق الأشياء بكمالها إلا خالقها، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، غير أنه مكَّننا أن نبتلي منها ما شاء مما نحتاج إليه ونفتقر، والشيء مهما صغر فإن حقيقته أكبر من علم الناس أجمعين، حتى إن دويبة حقيرة، أو نملة صغيرة، أو إصبعا من أصابع اليد أعيت علماء الطبيعة قاطبة أن يحيطوا بها علما.

فقلت: إذا كان هذا شأن علمكم بأحقر ما تعاينونه وتفحصونه من خلق، فكيف برب العالمين، وهو لا تدركه أبصاركم، وتعالى أن تبلغه عقولكم وأفكاركم، وجل أن تنتهي إليه أوهامكم وأسراركم، فالألفاظ من لغاتكم المخلوقة ليست إلا إشارات إلى من ليس كمثله شيء وصفاته، فانضووا إلى حدودكم، واعرفوا أقداركم، وأقبح بالإنسان أن يخرج عن رشده، ويعدُوَ طورَه،

قالوا: فكيف نعرف ربنا تبارك وتعالى إذن؟

قلت: تعرفونه بأنه تعرَّف إليكم، فأنتم مفطورون على معرفته كما أنكم مفطورون على معرفة أمهاتكم، والشعور بالفرح والحزن، والسعادة والألم، والجوع والظمأ، وهواكم للطعام والشراب، وهذه المعرفة الفطرية أدنى معرفة يجب على العباد أن يُنَمُّوها ويزيدوها،

قالوا: كيف نزداد به معرفة؟

قلت: إن المناقشات العقلية والمباحث العقدية لن تغني عنكم شيئا، وقد جعل الله للمعارف والعلوم سبلا وأسبابا، من سلكها نالها، ومن أعرض عنها ضل وغوى، والأسباب المؤدية إلى معرفة ربكم أربعة أمور،

قالوا: ما هي؟

قلت:

1- النظر في خلقه: فإذا نظرتم في روائع خلقه وبدائع صنعه قويت معرفتكم بقدرته، وعلمه، ورحمته، فأنعموا تفكيركم في أنفسكم وتأملوا سائر خلقه، تستجلوا صنعا ظاهرا يبصِّركم بصانع لا يرى، وآية تشهد بأنه فاطر الأرض والسماء، وتستكشفوا أعاجيب جمة تدل على بدائع تدبيره، ولطف أمره، وأن تصريف هذا الخلق له وحده.

2- تدبر كلامه: فاقرأوه من أوله إلى آخره على مكث، مدبّرين آياته عاقلين، وعودوا إليه غير منقطعين عنه ولا غافلين، وما يخفى عليكم منه شيء إلا وسيرفع الحجاب عنه، فالزموه عاكفين عليه متقفِّرين ظاهره وباطنه مُستقصين مُمعنين، غير باغين عنه حولا ولا رامين له بدلا، تصفُ لكم ذكريات وعظات، مقشعرةً جلودُكم، لينةً قلوبُكم وهاميةً دموعٌ منكم وعبرات.

3- عبادته: إن العبادة بأجناسها ولا سيما الصلاة وسائر أصناف الذكر لمن أعظم ما يكسب الإنسان صلة بربه وقربى إليه، قال تعالى: فاسجد واقترب، وقال: فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون.

4- دعاؤه: فإذا دعوتموه لمحتم من إجابته شؤونا عجيبة تزيدكم توكلا عليه ويقينا، وآنستموه وَدودا قريبا، ومن حيث ما نودي سميعا مجيبا، وجارا لكم من كل بؤس منيعًا، ومن كل شر عاصمًا، وحاشاكم أن تجدوا معه خائفا أحدا، أو سائلا له مكديا، أو راجيا له خائبا.

قلت: واحمدوا ربكم وسبحوه بكرة وأصيلا، وقياما وقعودا، وعلى جنوبكم،

قالوا: لو ذكرت لنا شيئًا من محامد ربنا نحمده بها؟

قلت: اتلوها في كتاب الله ودعوات الأنبياء والمرسلين، ولا سيما سيدنا وحبيبنا إمام المرسلين وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم،

قالوا: أنت شيخنا، فلو اصطفيتَ لنا منها طائفة،

قلت: سأفعل، فراقِبوا المقال التالي إليه متطلعين، ولي بالتوفيق داعين.