مراتب الصحابة رضي الله عنهم

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: من أقرب بني آدم إلى الله عز وجل؟

قلت: رسل الله وأنبياؤه عليهم السلام،

قالوا: ومن يليهم في الفضل؟

قلت: أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنه، أبر الناس قلوبا، وأعمقهم علما، وأقلهم تكلفا، وأقومهم هديا، وأحسنهم حالا، وفيهم نزل قوله تعالى “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس”، وقوله تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس”.

قالوا: أو ليست الآيتان تشملان الأمة المسلمة كلها إلى يوم القيامة؟

قلت: بلى، ولكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم أول من صدقت عليهم الآيتان، وهم أولى بهما، ويدخل من بعدهم في الحكم على قدر توفر الصفات الداعية إلى الوسطية والخيرية فيهم، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.

قالوا: ما مراتبهم؟

قلت: هم على ثلاث مراتب: المهاجرون، والأنصار، ثم سائر من دخل في الإسلام بعد فتح مكة إلى أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى في سورة الحشر: “لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.

قالوا: من أفضلهم مطلقا؟

قلت: الأئمة الأربعة الراشدون المهديون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسائر العشرة المبشر لهم بالجنة.

قالوا: وهل ثم مقياس نقيسهم به فنعرف فضل ما بينهم؟

قلت: هو مدى تقربهم إلى الله تعالى الحاصل من تقواهم وصبرهم،

قالوا: ذلك أمر خفي غامض لا يطلع عليه إلا رب العالمين، فلو يسَّرت لنا إدراكه تيسيرا وأنت شيخنا وأستاذنا.

قلت: وهل تظنون أني أدعي علم الغيب؟

قالوا: لعل تقديرك الناتج عن الظن والتخمين يعيننا على معرفتهم معرفة أدق.

قلت: من أئمة الأنبياء والرسل إبراهيم وموسى، وأفضلهما إبراهيم، عليهم السلام، وكلاهما يشترك في صفات ويتباين في صفات، تميز إبراهيم عليه السلام بالحنيفية والصديقية والحلم والرشد، وتميز موسى عليه السلام بالفرقان بين الحق والباطل، والجهر بالحق، وإزهاق الباطل، والغضب لله، وشدة في سبيله، مع تواضعه ووقوفه عند حدود الله تعالى، واجتمع في نبينا صلى الله عليه وسلم ما تفرق فيهما من نعوت الإمامة والاجتباء والتقرب.

قلت: فالشيخان أشبههما بإبراهيم أبو بكر، وأشبههما بموسى عمر، والختنان أشبههما بإبراهيم عثمان، وأشبههما بموسى علي، وزوجتا النبي صلى الله عليه وسلم الحبيبتان إليه أقربهما إلى إبراهيم أم المؤمنين خديجة، وأقربهما إلى موسى أم المؤمنين عائشة.

قلت: ومن أشبه الناس بإبراهيم أبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وأم المؤمنين أم سلمة، ومعاذ بن جبل، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وسلمان الفارسي، وأبو موسى الأشعري، والحسن بن علي، وفي التابعين: علقمة، والأسود، وإبراهيم النخعي، وأيوب السختياني، وابن عون، وفيمن بعدهم: النعمان بن ثابت، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن إسماعيل، وأبو الحجاج المزي، وآخرون، وفي شيوخنا أبو الحسن علي الندوي، رحمهم الله جميعا.

قلت: ومن أشبه الناس بموسى الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب، والحسين بن علي، وفي التابعين: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وابن سيرين، وفيمن بعدهم: ابن أبي ذئب، ومالك، وشعبة، ومحمد بن إدريس، ويحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي، ومسلم بن الحجاج، وابن تيمية، وأحمد بن عبد الأحد السرهندي، ومحمد بن عبد الوهاب، ومحمد إسماعيل الشهيد، وآخرون، وفي شيوخنا محمد يونس الجونفوري، رحمهم الله جميعا.

قالوا: فما تأمرنا إزاء الصحابة والصحابيات رضي الله عنهم؟

قلت: تعلموا سيرهم، واهتدوا بهديهم، وادعوا لهم، وأحبوهم، ومن أحب قوما فهو منهم.

قالوا: ما ترى فيمن يقع فيهم؟

قلت: من أشقى الناس وأبعدهم عن رحمة الله، كلما آذوا صحابيا نقلت إليه حسناتهم، فما يزيد الصحابةَ رضي الله عنهم سبُّهم إلا علوا في الدرجات وزلفى وكرامة، وما يزيد الأقزام الأخسَّاء إلا تعاسة وهبوطا ولؤما، أعاذنا الله من الحور بعد الكور.