ما صعود الجبل علوا

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: هل بدرت منك أيام رحلتك فعلة ثم ندمت عليها؟

قلت: أليس سؤالكم هذا إيذاء لمسلم؟

قالوا: يعجبنا أن نطلع على مواطن الضعف فيك فنعتبر بها.

قلت: أليس ذلك فضحًا لأمري وإهانة لنفسي؟

قالوا: يا ليتك أجبت على سؤالنا معفيا إيانا عن تدقيقك وتشقيقك!

قلت: أما إذ ألححتم علي فنعم، أقدمت على فعلات ثم خجلت منها.

قالوا: ما هي؟

قلت: لا تتبعوا عثرات الناس، ولا تستكشفوا عيبا قد ستره ربي.

قالوا: أخبرنا بحادثة منها ونستغفر لك ربنا،

قلت: اسمعوا:

دعاني صاحب لي إلى عشاء في منتزه بسفح جبل أحد، فلبيت دعوته حرصا مني على صحبته، ومحبة مني لهذا الجبل الشاهد على روائع تاريخنا المجيد، ورغبة مني في الاستجمام وترويح بدني، فتداعينا، ونحن رهط، على الطعام والشراب متجاذبين أطراف الحديث، ومتنعمين بالهواء اللطيف، ومستهنئين الطعام الطيب الوفير، فلما أكلنا وشبعنا هوينا أن نتماشى ونرتقي الجبل زيادة في الاستمتاع، فاندفعنا نحو الربى والمرتفعات، وتركنا صاحبنا عند مائدة الطعام، ولما سمقنا من الجبل قلة تطل على المدينة وما حولها وقفنا، وشرح لنا بعض أهاليها معالمها وآثارها، ونحن سعداء مسرورون مستلذين بالمناظر الجميلة والمشاهد الخلابة، إذ وقع بصري على صاحبي، وهو ينظف المائدة، ويرتِّب العلب والصحون، ويردها إلى الأكياس، فسقطت في عيني وصغرت في نفسي، وقلت: ما أبعدنا عن المروءة! هل يجوز في مذهب أهل الشرف والنبل أن يشركنا رجل كريم في الطعام، ثم نتركه وحده يخدمنا، ولا نشركه في نزهتنا؟ فسألت أصحابي أن ننزل عن مرتقانا، وقلت في نفسي: ما صعود الجبل علوا، وإنما العلو مكارم لا تكسب إلا بنهي النفس عن أهوائها، وخصال من الجود والبذل والإيثار.

قالوا: هل ساءت صاحبك فعلتك هذه؟

قلت: لا أراه ساءته، فلما دنونا منه لم نحس أي تبدل في لهجته ومعاملته إيانا، ولعله فرح بأن رآنا جذلين منبسطين قاضين ساعة نعمة ورخاء في كنفه، وذوو الكرم والوفاء يبتسمون من الأذى، ويمنعهم حلمهم من أن يبدوا سخطا أو امتعاضا.

قالوا: هل اعتذرت إليه عن تقصيرك؟

قلت: لا.

قالوا: أو ليس من سنن أهل العلم والصلاح الاعتذار على الزلل والعثار؟

قلت: بلى، قالوا: فلم لم تعتذر؟

قلت: من أجل ثلاث:

1- لما اختلطنا به أنسانا كرمه ما ابتدر منا ما يخالف المروءة، وهو حيي سمح ذو خلق سامٍ،

2- ورأيت أن الاعتذار يوحي بالتكلف، والتكلف عدو للصداقة والصفاء، ومدعاة للسآمة والملال،

3- تباطؤ مني في إدراك ذلك الموقف إدراكا سليما، والتباطؤ مرده إلى نقص في العقل وضعف في الإرادة، وكمال العقل يحمل النفس على المروءة، وقوة الإرادة تلطِّف السلوك.

قالوا: هل تعلمت من ذنبك شيئا؟

قلت: نعم، أن لا أعود إليه، وأن لا أتسرع في أي شأن من شؤوني، وأن أخضع الهوى لحكم العقل.

قلت: ولن ينفعني عهدي، ولن تتقوى إرادتي إلا أن يحالفني عون من ربي وتوفيق منه، فعليه أتوكل وإليه أنيب، ولنعم المولى هو ولنعم النصير.