ما الذي يعجبك من ابن آدم؟

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: ما الذي يعجبك من ابن آدم؟

قلت: ما هذا السؤال؟ وللناس فيما يعشقون سبل شتى ومسالك، يفرح بعضهم بشيء فيستاء منه آخر، ويبتهج رجال بأمور فيغتم منها آخرون،

قالوا: أنت شيخنا وكبيرنا ونود أن تُدرينا بما يسرُّك من خصائل ابن آدم الحميدة وسجاياه النبيلة فنسعى للتأسي بها وتحقيقها فينا.

قلت: اقرأوا كتاب الله تعالى ففيه غناء وشفاء، وتلقوا سنن النبي صلى الله عليه وسلم ففيها بيان وتفصيل، وتوجيه وتطبيق.

قالوا: لو ساعدتنا فلخصت لنا تلك الشيم والمكارم من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم تلخيصا يقرب لنا ما بعد منها وندَّ، ويجمع لنا ما تفرق منها وتبدد.

قلت: تعجبني من ابن آدم أربع خصال،

قالوا: ما هي؟

قلت:

الأولى: أن يكون عالمًا بآيات الله في نفسه وفي الكون الدالة على جسيم قدرته وعظيم علمه وواسع رحمته، وهي آيات بينات بديعات باهرات أعجزت العادِّين أن يعدوها، وأعيت الحاسبين أن يحصوها، وأن يكون عالمًا بآياته المنزلات الشافيات في كتابه متدبرا لها عارفا لمعانيها ومحاملها، منسجما معها عقله ومتوافقا معها قلبه، وبسنن نبيه صلى الله عليه وسلم متفقها فيها، مهتديا بهداها وزاهدا في غيرها من السنن والعادات، ولا يعجبني علم بالكون دون خالق الكون، وعلم بالإنسان دون ربه، وعلم بالعطايا والهبات والنعم دون علم المنعم بها ومعطيها وواهبها، فالعلم بالخلق دون الخالق جهل وضلال، وسفه وغي وإسفاف.

الثانية: أن يكون عاقلا، أي عارفا بمطالب فطرته وحافظا لعلومه ومعارفه، مطبقا بينها وموفقا، ومحللا لها تحليلا دقيقا، وناظرا في مبادئها ومصادرها، ومتوصلا إلى نتائجها وعواقبها، شيمته صحة الرأي والسداد إذا اختلط الرأي واضطربت النهى اضطرابا، والعقل شكلان: مولود ومكتسب، تلقحه الخبرات والتجارب، وما من صباح أو مساء يمر إلا وفيه وعظ وتأديب لأهل العقول الثابتات البصائر، وقد أبلغ الدهر في مواعظه، بل زاد فيهن على الإبلاغ، فيا ويل من لم يتعظ ويا ويل من لم يدَّكر.

الثالثة: أن يكون شاكرا لربه على أنعمه، متعبدا له مخلصا، حنيفا إليه ومخبتا منيبا، ومستعينا به ومتوكلا عليه في كل حاجة، موقنا أن الأسباب لا فعل لها ولا قدرة، وأنها تحت أوامر مسببها وتدبير مدبرها، فلا يخضع لها ولا يتبعها هواه، ولا يشتغل بها اشتغالا يلهيه عن مولاه، ومتى ما يُرِد ذو العرش أمرا بعبده يُصِبه فإنه يقضي ويقدر، وليس للعبد ما يصطفي ويتخير.
الرابعة: أن يكون رفيقا بالناس وعامة الخلق، صافية أخلاقه صفاء الماء القراح، عادم الخلاف مع إخوانه، وقليل التشكي للمصائب، صابرا متجلدا، محسنا إلى الورى غير منان، متألما لآلامهم ومتوجعا بأوجاعهم، ومتغمدا بالصفح والعفو هفوات المذنبين وزلات المسيئين، لا بوركت خلال الغلظة، ولا زكت طرائق الحسد والبغض، وما أشقى من لا تخالط الرحمة قلبه، ولا يطهر الحياء فعاله.

قالوا: أخبرنا برجال توفرت فيهم هذه الخصال الأربع فنصحبهم ونحذو حذوهم ونقتدي بسيرتهم،

قلت: إن الحكم على أحد بتوفر الخصال فيه ليس سهلا ميسورا، وقد تنكشف لي بعض نواحي الرجل وتخفى علي أخرى، وقد أحب رجالا فأغالي في تقديرهم، وأتناكر أناسا فأغمط حقهم،

قالوا: أفدنا فمعرفة الأسوة تيسر السبيل تيسيرا،

قلت: الأسوة أنبياء الله ورسله سلام الله عليهم، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والصالحون بعدهم رضي الله عنهم،

قالوا: هل في الأحياء من نتخذه قدوة وإماما.

قلت: عدد قليل جدا، أستحيي أن أكتب عنهم، فإذا سألتموني شفاها سميت لكم بعضهم نصحا لكم.

قالوا: قد قضيتَ حياتك في العلم وصحبة العلماء فأين أنت من هذه الخصال؟

قلت: ما لكم راغبين في استكشاف مثالبي وتتبع عوراتي، فإني لم تتوفر في خصلة من هذه الخصال الأربع، وقد جاوزت الخمسين، قريبا وردي إلى منهلي.

فأما الأولى فلن أعد نفسي عالما حتى أتدبر كتاب الله كله وأتفقه الصحيحين تفقها، ولمَّا أبلغ مرادي، وأرجو من ربي أن يوفقني لذلك قبل موتي، فالله المستعان وعليه التكلان.

وأما الثانية فإني أعمل العقل وأنظر في مبادئ الأمور وعواقبها، وحينا تغلبني هواي، وغلبة الهوى جهل وسفه، وهذا رأس مشكلتي، فقد تتابعت على ذنوب وخطايا على آثارهن أمثالهن، اللهم اغفر لي ما مضى، وأْذَن لي توبة صادقة نصوحا.

وأما الثالثة فإني أحب ربي وأشكره بعض الشكر، ولكن أتوانى في عبادته وأتكاسل تكاسلا، وتصحيح العبادة يقتضي مجاهدات طويلة، ولم أسع لها إلى الآن.

وأما الرفق فلعلي أحسن فيه حالا، لست رفيقا ولا حليما ولكني مترفق متحلم، وأبذل جهدي أن لا أشدد على أحد أو أعنف، وأن أتصبر وأتجلد، وقد أفشل فتبدر مني بوادر، والاستعجال عدو الصبر والجلد، ولعل هذه الخصلة هي التي تتعلمون فيها مني شيئا، ولكني لا آمن نفسي، وأدعو ربي أن لا يكذِّب فعلي قولي، وأن يغفر لي زلاتي.

قالوا: أوصنا،

قلت: أوليس ما قدمته إليكم ينوب عن الوصية؟ فاسعوا إلى تحقيق هذه الخصال الأربع، واحرصوا على الفعل دون القول، وأدعو الله عز وجل أن يجعلني وإياكم ممن يعلمون ربهم ويخشونه، ولا يغيبن عن بالكم أن الإنسان سيندم إن رحل بغير زاد، ويشقى إن لم يستمع إلى زاجر أو مناد، ولم يتنبه قبل الرقاد، وصار كأنه من جماد، واحمدوا الله في كل حال، فما الدنيا إلا كفيء الظلال.