ما استفدتُّ من الهندوس من توحيد الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: ولدتَّ في دار شرك ونشأتَ بين قوم كافرين، فهل استفدتَّ من جيرانك الهندوس شيئا؟

قلت: نعم، استفدت منهم خصالا عزيزة وخلالا رفيعة، وأخطرها شأنا ما يقترن بتوحيد الله تعالى.

قالوا: أتتخذنا هزؤا أم أنت من اللاعبين؟ قوم طغوا في الشرك والكفر وأمعنوا في الخرافات والأباطيل، تكلفت أنك تلقنت منهم التوحيد والإسلام، ما رأينا قولا يلبس الحق بالباطل والعدل بالظلم مثل الذي أنت فيه متماديا.

قلت: أو ليس من الظلم والجور أن تعجلوا بالحكم على قول لم تستسيغوه ولم تقلبوه على وجوهه؟ ألم يبلغكم المثل السائر: “الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها”؟

قالوا: فبيِّن لنا الجوانب التي استنرت فيها من أهل الظلمات،

قلت: ثلاثة جوانب مضيئة، فاسمعوها إن كنتم للحق طالبين وفي معرفة ربكم راغبين:

الأول: ربوبية الله تعالى، زعموا أن “راما” وقد اتخذه الهندوس إلها يعبد، نفاه أبوه الملك دسرث إلى بيداء من الأرض شاسعة، وفاء بموعدة وعدها بعض أزواجه، فجاء أمَّه يودعها، فرآها تندب وتبكي، قد بلغ الأسى منها مبلغه وقطع الشجى كبدها، فقال لها: يا أمِّ لا تضاجعي الهم والكد، ولا تحملي الجزع والفزع، فالفتى مولود ليد الأقدار، وموكول إلى تسهيد وفراق دار، إن تولاني ربي بفضل منه ورحمة فلا أحفل عشت بين أهلي أم رميت بأيدي المطايا طالبا عن الوطن العزيز منزحا، فإن أحضان الصحارى والفيافي ليست أقل من أحضان الأمهات عطفا وحنانا، وشفقة ورأفة، قلت: صدق الرجل، وانظر: كيف تكفل الله يوسف عليه السلام برعايته؟ وكيف كفى موسى عليه السلام شر عدوه، قال تعالى: “إن رحمت الله قريب من المحسنين”.

والثاني: مراقبة الله تعالى، روي أن صوفيا مسلما زار ناسكا هندوكيا، وقال له: إني مسافر، وشيخي غائب، فأردت أن أستنصحك قبل أن أخرج في جهتي هذه، قال له الناسك: هل تعرف الله؟ قال: نعم، قال: إن كنت تعرف الله فلا يهمنك إن كنت لا تعرف غيره، ثم سأله: وهل يعرفك الله؟ قال: نعم، قال: فلا تكترث إن كنت لا يعرفك غيره. قلت: ما أحسنها من كلمة دلالة على الصلة التي بيننا وبين ربنا، المقدِّر والمدبر خلقه، القاضي بما هو أهله، والمجري في الناس حكمه، والمنجي شعبه، وهو مع العالَمين شهدوا أم غابوا، قال تعالى: “وهو معكم أينما كنتم”، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الإحسان “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، وحُقَّ لعباد الله أن يراقبوه ويخافوه ويتزودوا بزاد من التقوى، والتقوى خير تجارة رباحا إذا تلاهى الناس متمتعين بتغابن وخسران مبين، وإن التقي هو البهي الأريب، وإن التقي لربه لقريب.

والثالث: الإخبات إلى الله تعالى، حضرتُ زعيما هندوكيا في لكنؤ لبعض حاجاتي في الصباح الباكر، فرأيته اغتسل، وتقرب إلى صنم له وتضرع إليه قبل أن يحييني بتحية أو يرحب بي ترحيبا، فقلت في نفسي: هذا كافر يتضرع إلى صنم من حجر مخبتا إليه، ونحن المسلمين لا نحسن عبادة الإله الحق الذي لا إله إلا هو، وقد رأيت كثيرا من الهندوس متزلفين إلى آلهتهم التي أفكوها يستعطفونها ويعبدونها عبادة أتم من عبادتنا لربنا ومولانا، تعالى ربنا عن قول من دعا سواه إلها، فهو الإله الذي لا إله إلا هو، وله الخلق والنعماء والأمر كله، وهو العلي المجيد، وهو الغني الحميد.

قالوا: زدتنا معرفة بربنا،

قلت: فلنعبده في شوق إليه وخشوع محسني العبادة إحسانا، ولنستعنه مسترحميه استرحاما، ورافعين إليه شكوانا، فبيده كشف المضرة وبلوانا، لا نكن ممن إن عاينوا غمة ماتوا بها كمدا وكدحا، وإن رأو نعمة طاروا بطرا ومرحا، ولْنُفِق من سكرة الغي، ولنرتدع عن الهوى، ولنتب إلى رب الورى، ومن لاذ بالله نجا، ومن أناب إليه رجا، ومن ذل له علا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهو الرحيم الودود والغفور الكريم.