لا تَعْجبَنَّ من ابن المهندس

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: ألم تؤمن بأن أعلى المدح ما يثني به العبد على مولاه، وأنه ذو العرش المجيد، وهو الغفور الودود، الغني الحميد، وهو الجدير بكل ثناء وتكبير، وإجلال وتعظيم؟

قلت: بلى، وهل يستنكف عن حمد رب العالمين إلا كافر غوي، أو فاجر دني، أو ضال شقي، وربنا الرؤوف الرحيم، مجيب الداعين، ومغطي الذنوب بالعفو، وكشاف الكروب.

قالوا: فلا تعجبَنَّ من ابن المهندس مادحًا إياه، بلغنا أنك ميمِّم شطر الأرض المقدسة، ونخشى أن يغلبك وجدك به في نزعة إليه وحنين، جائلا في ضميرك ومتصرفا بين خواطرك، فتبالغ في الثناء عليه وتطريه إطراء، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره أن يمدح الرجل في وجهه، أخرج الشيخان عن أبي موسى الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدحة فقال: أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل. وأخرجا أيضًا عن أبي بكرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رجلاً ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيراً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويحك! قطعت عنق صاحبك، يقوله مراراً، إن كان أحدكم مادحاً لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يُرى أنه كذلك، وحسيبه اللَّه ولا يزكى على اللَّه أحد. وأخرج مسلم عن همّام بن الحارث عن المقداد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “أن رجلاً جعل يمدح عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فعمد المقداد فجثا على ركبتيه فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك فقال: إن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب.

قالوا: لا نرضاك أن تذكِّرنا بصفي جوهره، وكريم محتده وشريف منبته، وصعوده في فروع العز، وترقِّيه إلى ذرى المجد، وما طبع عليه من عقل عجيب، وذكاء نادر، ورأي حصيف، وارتفاع منزلته في فهم كتاب الله تعالى، وتفقه الأحاديث والآثار، ومعرفة العلل والرجال، والإلمام بأسانيد المتأخرين واتصالاتهم، وجمعه بين السماعات والقراءات والإجازات العالية، وعلو كعبه في مشاركته في العلوم الاجتماعية والفنون العصرية، وقدرته على التعبير والبيان، وتصرفه في مناحي الأداء وأساليب الكلام، وتمكنه من حسن الاستدلال وقوة العارضة والإقناع المنطقي، واستنباطه المعاني الشريفة، واستخراجه النكات الطريفة، ونحذّرك أن تمجده في شيء من ذلك أو تبجِّله تبجيلا.

قالوا: ولا تشيدن َّبما أعجبك من صلاحه وحسن تعبده وتألهه وخوفه من الله، واعتزاله شرور المجتمع، واندماجه فيه أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر، أو تعليما لجاهل، أو نفعا لغريب، فالأعمال كلها بالنيات، وصلاح المرء بصلاح قلبه، ولا يطلع على النيات، ولا يقف على دفائن القلوب إلا رب العباد، فلا تتعنين فيما ليس من شأنك، ولا تتكلفن ادعاء علم قد نفاه عنك خالقك، وإياك والظن وحديث النفس، وعليك بذاتك مُرضيا إله العالمين مخبتا إليه منيبا.

قالوا: ولا تنوِّهَنَّ بحسن خلقه، وكريم شمائله، وسمو آدابه، وجمال هيئته وزيه، ولا تصفن وجها ماج فيه ماء الرواء، ولاح عليه عنوان الوضاء، ولا توردن علينا أخبار تواضعه وكرمه ونبله، وتوسطه واعتداله، وبعده عن التعصب والتحزب، عاليا على قلل المعالي، ومعاطي إخوانه الصواب في غير نفاق، وماحضهم السداد بلا رياء، فأخلاق الناس غير خافية، وآدابهم غير مستورة، يعرف منها غيرك ما أنت به زعيم، واعلم أن القول أمانة، فعسى أن تنعته، فتخطئ في اختيار الكلمات، وتركب شططا.
قالوا: ولا تعرضن لفضله عليك باسطا بيان معروفه ونعمائه في دلالتك على الشيوخ وإيصالك إليهم، وإهدائه الكتب إليك، وشرحه لك ما أشكل عليك من المعاني الدقيقة في كتاب الله وسنن المصطفى، وتراجم الشيوخ وأعالي الأسانيد، لا نزجرك عن شكره والاعتراف له بالجميل، إلا أنه يسوءنا أن تقتفي آثار الشعراء في الإفراط والغلو.

قلت: حسبكم أيها العذَّل اللائمون! أشكيتكم وارعويت ارعواء، ومنعت نفسي من هواها، وكبحت جماحها، وكرهت أن أخالفكم أو أجادلكم، فالخلاف عقباه شر وعداء، والجدال مؤداه عناد ومراء، ولن أزيدكم على أن أنشدكم بيتا لشاعر فارسي، معناه: “نهاني الأحبة عن غرامي بك، وقالوا: ما لي مكَّنتك من نفسي، وأقررت هواك في شغاف قلبي؟ يا ليتهم سألوك أولاً: ما لك بديعاً في الحسن وبارعًا في الجمال البراعة كلها، وجامعًا هذه المحامد والمناقب”؟

وقلت: أو ليس حب الصالحين من حب الله تعالى؟

قالوا: بلى، وفي الناس صالحون،

قلت: نعم، وفيهم من هو أفضل، والرجل يميل إلى الرجل لتوافق بينهما وتلاؤم، ولا تحسبوني نمَّاما عن أسرار الخلة، فقد ضبطتها ضبطا وكظمتها كظما، ولكنها زادت ففاضت عن جسدي، حتى استوى الكتمان والإعلان.

قلت: فاشهدوا وليشهد الثقلان أني أوافق أبا عبد الله جاعله سمير قلبي ونجي فؤادي، وأحبه وسائر الصالحين راغبا أن أتسيم بسيماهم وأستنهج سبيلهم وأن أحوز من الفضائل ما حازوا، وداعيا ربي أن يحشرني معهم، ولن أزال أثني عليهم خيرا مشيدا بمنزلتهم وذابا عن حياضهم رغم أنوف العاتبين والذامّين.