صحيح البخاري: كماله

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: ما اسم صحيح البخاري الكامل؟

قلت: هو “الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه”، وكفى اسمه دلالة على أنه مختص بالأحاديث المرفوعة المتصلة الصحيحة.

قالوا: ما الذي بعثه على تأليفه؟

قلت: نظر في تصانيف من سبقه من العلماء وفحصها فوجدها متمازجة بين الصحيح والضعيف والحسن والغريب، بل والمحفوظ والشاذ والمعروف والمنكر وما دون ذلك، فانتصب بتوفيق من الله تعالى لاستخلاص الصحيح البينة صحته مجموعا مؤلفا، وثبت عزيمته وقوى همته ما سمعه من إسحاق بن راهويه إذ قال: “لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم”، قال: “فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح”.

قالوا: كم وقتا استغرقه تأليفه؟

قلت: أراد إحكامه أقصى الإحكام وترقيته إلى ذروة الإبداع، فأقام على عمله ست عشرة سنة صابرا مثابرا غير مستعجل، فجاء بما لا يرام فوقه، ولا يبغى له بديل، وأودعه كنوزا من العلوم واللطائف أعيت العلماء أن يبلغوا كنهها ويسبروا غورها.

قالوا: ما الذي أردتَّ بكماله؟

قلت: كونه كاملا في صفاته، الأمر الذي رفعه إلى أعلى مستوى في الصحة، قال البخاري: “ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحيح حتى لا يطول”، ولم يدخل فيه إلا ما توفرت فيه تلك الصفات، ولم يترك إلا ما تقاصر عن تلك الصفات، وسأشرح ذلك في المقال التالي، وأعود إلى بيان تلك الصفات وهي خمس:

الأولى كون أحاديثه متصلة الأسانيد، ومن شرطه في الأعلام المعروفين بالتحديث أن لايخرج لهم إلا من طريق أصحابهم الذين عرفوا بطول الملازمة، فمثلا يخرج حديث الزهري عن مالك، وابن عيينة، وعقيل، ويونس، وشعيب بن أبي حمزة، ومعمر، وحديث مالك عن عبد الله بن يوسف التنيسي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وحديث ابن عيينة عن علي بن المديني، والحميدي، وقد يخرج من طريق غيرهم لأسباب تقتضي ذلك.

وإذا كان الراوي مدلسا لم يخرج له إلا إذا صرح بالسماع أو روى عنه من عرف بالتشديد في أمر التدليس، فمثلا لا يقبل عنعنة قتادة إلا إذا جاء مصرحا بالسماع في الحديث الذي اعتمده، أو فيما أورد له من متابعة، أو برواية شعبة عنه، فشعبة لم يرو شيئا من أحاديث قتادة المدلسة.
وإذا ثبت عدم سماع الرجل من معاصره الراوي عنه تجنب إخراج حديثه، فلم يخرج لحسن البصري عن علي وأبي هريرة وأبي بكرة الثقفي وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ممن عاصرهم ولقيهم، لما تقرر من عدم أخذه عنهم، وكذلك لم يرو لأبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود لما علم من أنه لم يسمع من أبيه شيئا، وإنما روى عنه ما أخذه عن أصحابه.

الثانية اتصاف رواته بالصدق والأمانة، ومنهم من يعبر عن ذلك بالعدالة أو الاستقامة، ومؤدى جميع هذه الكلمات واحد، فلم يخرج في كتابه لأحد اتهم بالكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أو عرف عنه كثرة الكذب في أحاديث الناس، فمن كانت عادته الكذب على الناس لم يؤمن عليه أن يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.

وتجنب إخراج أحاديث المبتدعة الذين استحلوا الكذب، ولكن إذا كان المبتدع معلوم الصدق وخبره بنفسه أخرج له، و وإذا لم يخبره بنفسه لم يخرج له إلا من طريق ثقات أصحابه، وشدد في الأمر تشديدا.

وتجنب أيضًا إخراج أحاديث الصالحين الذين استحلوا الكذب في الحديث أو رووا عن المستحلين أو عرفوا بالغفلة في ذلك، وهم الذين تسمى أحاديثهم بالمناكير.

الثالثة: اتصاف رواته بالضبط والإتقان، واشترط البخاري أن يكونوا على أعلى درجة في ذلك، وهم أمثال إبراهيم النخعي، والزهري وهشام بن عروة ومنصور بن المعتمر والأعمش ومحمد بن سيرين وقتادة، وأيوب السختياني وعبد الله بن عون، وسفيان الثوري ومالك وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وعلي بن المديني والحميدي ومسدد.
ومن أسانيده في صحيحه ما هو مشبك بالذهب، منها: سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، ومالك عن نافع عن ابن عمر، والزهري عن سالم عن ابن عمر، والزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وأبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وأيوب السختياني وعبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، وعبد الرحمن بن الأسود وغيره عن الأسود عن عائشة، ويحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وابن أبي مليكة وغيره عن القاسم بن محمد عن عائشة، رضي الله عنهم أجمعين.

الرابعة: نزاهة أسانيد الكتاب من الشذوذ، ومعنى ذلك أن الثقات لهم أخطاء وأوهام، فيقارن البخاري بين أحاديثهم مقارنة دقيقة يقف بها على أوهامهم وأخطائهم، فيتجنبها، وقلما سلم الأخباريون والمؤرخون من الأخبار الشاذة وتناقل الأوهام والأخطاء.

الخامسة: براءة أسانيده ومتونه من علة أي سبب خفي يقدح في الصحة، فقد يكون في حديث سليم الظاهر ما يقدح في صحته، وهذا علم جليل، لم يتمكن منه إلا القليل، ومنهم الإمامان العبقريان البخاري ومسلم.

قالوا: ائتنا بأمثلة تدلنا على أوهام الثقات وأخطائهم، وعلل الأحاديث التي ظاهرها السلامة،

قلت: ستأتيكم في المقال التالي إن شاء الله تعالى.

قالوا: ما الذي أراد البخاري بالمتابعات والشواهد التي ليست على شرطه؟

قلت: أراد إزالة إشكال قد يعرض لمن ليس متمكنا من هذا العلم، فمثلا قال في باب اتباع الجنائز من الإيمان: حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي المنجوفي قال حدثنا روح قال حدثنا عوف عن الحسن ومحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالمن اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط. فقد يظن من ليس له خبرة أن البخاري يقبل حديث الحسن من أبي هريرة، فأراد أن يفيد أن عمدته محمد بن سيرين، وقال مؤكدا لذلك: تابعه عثمان المؤذن قال: حدثنا عوف عن محمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.

قالوا: ما غرضه من التعليق؟

قلت: أكثر من التعليقات، وهي في تراجمه وفي المتابعات والشواهد، وقد وصلها الحافظ ابن حجر في كتابه “تغليق التعليق”، وغرضه منها الاستشهاد بآثار من سلف والاعتضاد بأقوالهم والاستئناس بها، وعمدته في تلك الأحكام والمسائل الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة.

قالوا: ما عدد أحاديثه؟

قلت: اختلف الناس فيه، وأقربه ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر، قال: فجميع أحاديثه بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات على ما حررته وأتقنته 7397 حديثا، ثم قال: فجميع ما في صحيح البخاري من المتون الموصولة بلا تكرير على التحرير 2602، ومن المتون المعلقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضع آخر من الجامع المذكور 159 حديثا، فجميع ذلك 2761 حديثا.

قالوا: من الذين أكثر عنهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟

قلت: روى في الصحيح أكثر من الثلثين من أحاديثه عن طريق تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أولهم أبو هريرة أخرج له 1049 حديثا، ثم أم المؤمنين عائشة أخرج لها 890 حديثا، وثالثهم أنس بن مالك أخرج له 810 أحاديث، ورابعهم عبد الله بن عمر، وخامسهم عبد الله بن عباس، وسادسهم جابر بن عبد الله، وسابعهم أبو موسى الأشعري، وثامنهم أبو قتادة، وتاسعهم عبد الله بن مسعود، رضي الله عنهم أجمعين.

قالوا: من الذين أكثر عنهم من بين شيوخه،

قلت: حدَّث في الجامع عن 321 شيخا، وروى عن عشرين منهم أكثر من النصف، وهم على الترتيب: مسدد بن مسرهد، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن المديني، وأبو اليمان، وموسى بن إسماعيل التبوذكي، ويحيى بن بكير، ومحمد بن بشار، وآدم بن أبي إياس، وإسماعيل بن أبي أويس، وعبد الله بن محمد المسندي، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وسليمان بن حرب، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك، وعبد العزيز بن عبد الله العامري الأويسي، وعبد الله بن عثمان المعروف بعبدان، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن سلام.