شدو الربابة بأحوال مجتمع الصحابة لمؤلفه خليل عبد الكريم

عرض ونقد: محمد أكرم الندوي

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد النبي الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فقد اطلعت أخيرًا على كتاب باسم (شدو الربابة بأحوال مجتمع الصحابة) لمؤلفه خليل عبد الكريم، جعله في ثلاثة أسفار، السفر الأول عن “محمد والصحابة”، والسفر الثاني عن “الصحابة والصحابة”، والثالث عن “الصحابة والمجتمع”.

والملحوظ أن المؤلف لم يصل على النبي صلى اللّه عليه وسلم في كتابه كله ولو مرة واحدة، ولم يبدأ كتابه باسم اللّه ولا حمده، والكتاب مليئ بوصف النبي صلى اللّه عليه وسلم بالانتهازية، ومحاولته لإقامة دولة قريش، واتخاذ جميع الأسلحة السياسية من الدهاء والمكر للوصول إلى هذا الهدف، وحافل بأنوع من الطعن في أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم مما يجعلهم في أسفل طبقة من البشر، ويبدو لي أن مؤلف هذا الكتاب إما يهودي حاقد، أوشيعي بغيض حاسد.

إن مؤلف هذا الكتاب لايرضى بالمكانة العالية التي يحتلها أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم بين المسلمين، والتي دلت عليها الأحاديث والآثار، واتفقت عليها كلمة المسلمين، ويرجح المؤلف أن الأحاديث ليست في فضل أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم على الإطلاق، وإنما هي تختص بالطبقة الأولى من أصحابه، وهذا التفريق من المؤلف ليس حرصًا منه على معرفة الحق، وإنما حسدًا منه على ما آتاهم اللّه من فضله٠ يقول المؤلف: “ولكن مع ذلك فإن لقب الصحابي أضفى على من يحوزه مكانة عالية حتى إن صحابيًّا فعل أفاعيل يشيب منها رأس الوليد، كما سنذكر فيما بعد، روى عنه أصحاب السنة حديثين” (السفر الأول ص 9).

ويعلّق المؤلف على إسلام أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم فيقول: “ومنهم من اعتنق الإسلام عن إخلاص وحماس ومن فعل ذلك خضوعًا لأمر واقع، أو اتفاقًا أو انتهازًا لفرصة أوسع أو فرارًا من مصير مجهول، خاصة بعد فتح مكة وانتصار محمد وصيرورته سيد الناس وديّان العرب حسب تعبير الأعشى الشاعر”. (السفر الأول ص 16).

ويقول المؤلف: “الإجماع منعقد على أن محمدًا عبقرية فذة، ويؤمن كاتب هذه السطور إيمانًا عميقًا بعد تدقيق وتمحيص بالغين أن جزيرة العرب لم تنجب مثله”. (السفر الأول ص 49).

لم يعترف المؤلف بنبوة النبي صلى اللّه عليه وسلم، بل لم يعترف بعظمته البشرية، وإنما عرضه في صورة إنسان انتهازي يسخر جميع الوسائل للوصول إلى أغراضه الدنيوية.

ويعرّض بنبوته فيقول: “وسافر في رحلات تجارية مع القوافل إلى الشام، وهناك رأى وعاين واطلع على أمور وسّعت آفاقه، وفتحت عينيه، وعلم ما لم يكن يعلم، وكانت مكة مدينة القوافل والتجارة، وبها البيت الذي كان يقدسه سائر العرب، وإليه يحجون ويعتمرون حتى من بين أهل الكتاب باعتبار أنه إرث إبراهيم الذي تقدسه الأديان السماوية الثلاثة، ومن ثم كانت مكة تعج بالمئات من العرب والروم والفرس والحبش والقبط … واختلط محمد بهؤلاء وعاملهم وعاملوه وجالسهم وجالسوه وسمع منهم عقائدهم ونحلهم، فازداد رصيد معرفته بهذه الأمور”. (السفر الأول ص 49-50).

ويبدو بوضوح أن المؤلف تتلمذ على المستشرقين، وتطفل على مائدتهم، فيردد مقالاتهم ترديد الببغاء، فمثلاً يقول: “يرى عدد من الباحثين أن محمدًا كان يعرف القراءة والكتابة، وأن وصفه بالنبي الأمي يعني أنه من غير أهل الكتاب، إذ كان يطلق عليهم لقب الأميين، وبعض الدارسين يذهب إلى أنه على أسوأ الفروض أنه كان يعرف القراءة ويتساءلون كيف يعرف أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية القراءة والكتابة، ويجهلها محمد وهو من فرع رهط أرقى منهم، وكانوا يعتبرون معرفة القراءة والكتابة من مقومات الكمال لدى الرجل”. (السفر الأول ص 55).

ويقول المؤلف: أخرج نصر المقدسي عن ميمون بن مهران قال: أتى عمر بن الخطاب رجل، فقال: يا أمير المؤمنين إنا لما فتحنا المدائن أصبتُ كتابًا فيه كلام معجب، قال: أمن كتاب اللّه؟ قلت: لا، فدعا بالدرة، فجعل يضربه بها، وهنا نجد أن عمر ضرب الرجل دون أن يطلع على الكتاب الذي حدثه عنه وأن فيه كلامًا معجبًا ويقدر عمر ما إذا كان محتوى الكتاب يتوافق مع موجبات الإسلام أم لا، بل مجرد تصريح الرجل أن الكتاب ليس من القرآن عرّضه للعقاب الرادع، والمعنى واضح أن المسلم لا يقرأ سواه، هذا ما يتعيّن عليه عمله”. (السفر الأول ص 67).

وعلق المؤلف على ذلك قائلاً: “واعظ مشهور، يعدونه أحد أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، صرّح في التلفزيون مباهيًا أنه منذ نيف وأربعين عامًا لم يقرأ سوى القرآن”. (السفر الأول ص 97).

ويمضي المؤلف فيقول: “منع عمر المثقفين والمتفتحين من الاطلاع على أفكار الآخرين، بل امتد ذلك إلى المسلم الذي يفتح مخه ويقرأ القرآن قراءة واعية، ثم غمض عليه منه”. (السفر الأول ص 67).

أكد المؤلف في فصل بكامله أن توزيع الغنائم من النبي صلى اللّه عليه وسلم كان مجرد عمل سياسي لتطويع الناس لأوامره. (انظر: السفر الأول ص 75-104)، وختم هذا الفصل بقوله: “خلاصة الكلام في هذا الفصل أن التغنيم والتنفيل والنفح والمنح والعطاء ٠٠٠ وإن تباينت صورها وتعددت أشكالها واختلفت هيئاتها كانت أسلحة ماضية في يد محمد لتطويع الصحاب وتطبيعم وصبغهم بالصبغة التي تغيّاها”. (السفر الأول ص 104).

ويوكد المؤلف أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أطلق ألقابًا على أصحابه كسلاح آخر لتطويعهم، يقول: “ومن هنا نجد أن محمدًا اتخذ من إطلاق الألقاب بداهة في جانب الإطراء وسيلة فعّالة في تطويعهم وتطبيعهم وصبغهم وقولبتهم بقالب الإسلام، والقارئ لكتب السيرة ومدونات أخبار الصحابة قد يدهشه هذا الكم الكثير من الألقاب والذي أضفاه محمد على الصحبة، عشرات وعشرات، فربما خرج الواحد منهم بعدة منها؛ (السفر الأول ص 114).

وقد أكد المؤلف في كتابه بصورة مستمرة أن محمدًا، من خلال نضاله، إنما أراد إقامة دولة قريش، وأما الأنصار فاستغلهم لهدفه، يقول المؤلف في تعليقه على خبر فيه تمن من أنس بن مالك أن يكون الأمير من الأنصار: “عند ما قرأت هذا الخبر وتمني أنس بن مالك أن يكون أمير المؤمنين من الأنصار تعجبت من طيبة قلبه وطيبة قلوب الأنصار، ومنهم أحد زعمائهم سعد بن عبادة، إذ كيف لم يدركوا أن الدولة التي زرعها محمد في مدينتهم يثرب هي دولة قريش وحدها ومن المستحيل أن يكون أميرها من غيرها”. (السفر الأول ص 124).

وعقد المؤلف فصلاً خاصًّا بعنوان (الصحابة والسب) أكد أن الصحابة حتى الكبار منهم كانوا يتسابون، حتى وصل أكابر الصحابة في النزاع على الغنائم والأموال إلى حد الدعاء بالموت على من كان بالأمس القريب من أعز الأحباب ومن كان لا يخاطب إلا بسيدنا”. (السفر الثاني 23-55).

ثم عقد المؤلف فصلاً آخر بعنوان (الصحابة والقتل)، أكد فيه أن قتلهم لغيرهم لأمور دنيوية تافهة كان أمرًا شائعًا (السفر الثاني ص 57-108)، يقول: “قتل الصحابة بعضهم بعضًا وربما يستهول الكثيرون ذلك ويستبشعونه ثم يستبعدونه”. (السفر الثاني ص 57).

وأفرد المؤلف فصلاً خاصًا بعنوان “الثروات الشخصية” (السفر الثاني 123-171)، وفصلاً آخر بعنوان “ازدهار يثرب” (السفر الثاني 173-180)، وفصولاً عديدة عن المال والزواج في حياة الصحابة ليؤكد أن مجتمع المسلمين في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم وعهد أصحابه كان بعيدًا كل البعد عن الزهد والورع، بل إن حياة البذخ والتمتع بالنساء أفسدتهم كل إفساد٠ وعقد المؤلف فصلاً آخر باسم المؤاخاة (السفر الثالث 19-157) نال فيه من الصحابة كل نيل، ولم يأل جهدًا في الحط من كرامتهم، ويختم الفصل بقوله “ومن ثم نخلص إلى أن التجربة (تجربة المدينة) لم تكن ذهبية ولا هي مثالية أو نموذجية، إنما هي تجربة بشرية قام بها بنون لآدم الذين (كذا قال) هم بشهادة محمد هم خطاءون”. (السفر الثالث ص 157).

ثم عقد المؤلف فصولاً أكد فيها أن الخمر وغيرها من الأشربة المسكرة كانت عادة ثابتة في الصحابة، يقول المؤلف: “بلغ بعض الصحابة من الكحوليين رتبة الإدمان، وعدد منهم استتر وتخفّى، ومارس إدمانه وراء السجف الكثيفة في الحجرات المسككة، وبعيدا عن العيون”. (السفر الثالث ص 184)، وهناك فصل عن النسوان الكحوليات في مجتمع الصحابة. (السفر الثالث ص 186).

وعقد المؤلف فصلاً بعنوان “خرق السنن الطبيعية”. (السفر الثالث 221-267) ليؤكد للقارئ أن الصحابة كانوا يعانون من السخف العقلى، وأن مستواهم الإدراكي كان أضعف ما يكون، ويقول: “إذا كان ذلك هو المستوى الإدراكي أو العقلي للصحابة فإنه نتيجة حتمية لمستواهم الحضاري”. (السفر الثالث 271).

وملخص القول أن مؤلف هذا الكتاب لم يحمله على تأليفه إلا الحسد والحقد الدفين على النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه، وإنه عدوان على العلم والحق والعدل، ومحاولة أخرى لتطبيق القول السائر “إذا أردت الشهرة وأعياك الوصول إليها فقع في عظماء الرجال”.