سيهديهم إلى دار الخراب

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: ما لك تلح على أن نأخذ هذا الدين من أهله العلماء الصالحين، غير عاهدين منك في الأمر تهاونا ولا ترددا؟

قلت: ألح عليه مصمما لجوجا كما أصر وأحفي إحفاء أن نأخذ كل علم وفن وصناعة من أهلها المختصين فيها: الطب من الأطباء، والهندسة من المهندسين، والرياضيات من الرياضيين، واللغة من اللغويين، والحديث من المحدثين، والتفسير من المفسرين، والفقه من الفقهاء، وآبى في ذلك إرجاء أو تراجعا، وقد قيل: لكل فن رجال، وقال ابن خلدون: “وكان لكل فن رجال يرجع إليهم فيه”. وقال الحافظ السخاوي: “… كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه، فهو متعن”، وجاء في تذكرة الحفاظ 3/ 1031: “فكم من إمام في فن مقصر عن غيره، كسيبويه مثلا إمام في النحو ولا يدري ما الحديث، ووكيع إمام في الحديث ولا يعرف العربية، وكأبي نواس رأس في الشعر عري من غيره، وعبد الرحمن بن مهدي إمام في الحديث لا يدري ما الطب، وكمحمد بن الحسن رأس في الفقه ولا يدري ما القراءات، وكحفص إمام في القراءة تالف في الحديث، وللحروب رجال يعرفون بها”.

قلت: إنه لمن الضلال المفرط والغي المسرف أن ترجعوا في الدين إلى الجهلة السفهاء، والمغفلين البله الأغبياء، الذين لا يميزون بين العلم والجهل، والحق والباطل، والرشد والغي، والصلاح والفساد، والعدل والظلم، والإنصاف والإجحاف، قارني السواد بالبياض، والظلام بالنور، والقبح بالجمال، وأخرج الشيخان وغيرهما عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتَّخذ الناس رؤوسًا جهالاً، فسُئِلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا”. وأصله قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل: 43، الأنبياء: 7، و(إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ (أي الشيطان) بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) البقرة: 169، و(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الأعراف 33، وقال محمد بن سيرين: إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم.

قالوا: ألم تسمع قول القائل: “لا كهنوتية في الإسلام؟ أوليس ديننا متحررا من فكرة رجال الدين وهيمنتهم، والتي جرت ويلات على اليهودية والنصرانية وغيرهما من الديانات؟

قلت: بلى، ومعناه: ليس في الإسلام نظام الكهنوتية، أي ليس هناك عبادة أو شعائر دينية يتولى إقامتها طبقة معينة، وهذا الذي أشار إليه ربنا تعالى في كتابه: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)، وهو لا أصل له في الإسلام، والمسلمون كلهم سواء في العبادات وإقامة الشعائر الدينية، وكل واحد منهم يتأهل لأن يكون إماما في الصلاة أو مؤذنا أو معلِّما للدين أو ممارسا لشعيرة من شعائره، إذا أحسن العمل الذي تولى مسؤوليته، وليس معناه أن كل واحد يمكنه أن يخوض في الأمر مهما كان جاهلا به أخرق معتوها، ولو سمحنا بذلك لم نزد إلا فوضى، ولانهار إذًا أساس كل بناء، وانفكت النظم، وفسدت شؤون الدين والدنيا، وبطل أمر الأولى والآخرة، واختلت الموازين وانتقضت المقاييس انتقاضا.

قالوا: قد يكون الإنسان مخلصا في دينه من الصالحين، فإنه وإن لم يتفقه الدين فإنا نعتقد أن التوفيق يحالفه، وما أكثر ما يعجب الناس بالصالحين المخلصين فيتبعونهم.

قلت: هذه زلة كبيرة، وخطيئة جسيمة، وقد نبه عليها السلف وحذروا منها تحذيرا، ونفروا من قبول أخبار الصالحين عائفين لها ومعرضين عنها إعراضا، أخرج مسلم في المقدمة عن يحيى بن سعيد القطان، قال: “لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث”، وقال أيوب السختياني: “إن من جيراني لمن أرجو بركة دعائه في السحر ولو شهد عندي على جزرة بقل لما قبلت شهادته”، وقال مالك بن أنس: “أدركت في هذا المسجد ثمانين رجلا لهم خير وفضل وصلاح كل يقول حدثني أبي عن جدي عن النبي صلى الله عليه وسلم لم نأخذ عن أحد منهم شيئا، وكان ابن شهاب يأتينا وهو شاب فنزدحم على بابه لأنه كان يعرف هذا الشأن”، وقال ابن تيمية: “لكن كثير من العباد لا يحفظ الأحاديث ولا أسانيدها فكثيرا ما يغلطون في إسناد الحديث أو متنه”. (الاستقامة 1/201).

قالوا: قد تصدر كثيرون في هذا الدين من أجل صلاحهم وإخلاصهم في جماعات دينية مختلفة.

قلت: لا تغتروا بهم، ولا أجد لهم مثلا إلا مثل الحمار المخلص،

قالوا: وكيف كان ذلك؟

قلت: زعموا أنه كان لرجل في ريف من أرياف مصر حمار يركبه ويحمل عليه الأثقال، ويطعمه ويسقيه، وركبه مرة فأسقطه الحمار على الأرض وجُحش شق الرجل، فلما رأى الحمار ربه جريحًا طريحا ملقى على الأرض أشفق عليه ورحمه وحمله على ظهره، وجرى به إلى مستشفى، فلما بلغ جيرانه وأصدقاءه ما فعل به الحمار جاؤوه وهنؤوه وقالوا له: ما أسعدك وما أحسن حظك إذ تملك هذا الحمار المخلص، سقطت جريحا فحملك إلى المستشفى، قال: صدقتم أن الحمار مخلص، ولكنه حملني إلى المستشفى البيطري، أي مستشفى الحيوانات.

قالوا: فما ترى في قادة البلدان الإسلامية؟

قلت: هم من هذا القبيل، فإن كثيرا منهم لا يحسنون أساسيات هذا الدين، ويعدمون معنى الإمامة، ثم يقودون أمة الإسلام، فلا شك أنهم سيهدونها إلى دار البوار، وهو أمر مشاهد ملموس، ومثلهم أمراء المساجد، جهلوا بأحكامها، فعاملوها معاملة ممتلكاتهم، وأحدثوا فيها فسادا، وفرقوا المسلمين طوائف وأحزابا، تتقاتل بينها وتتحارب، ثم تتحاكم إلى المحاكم تبذر فيها أموال المسلمين تبذيرا، ولا تسمح بالمساجد أن يذكر فيها اسم الله ويعلَّم فيها دينه.

قالوا: فما ترى في المدارس الإسلامية؟

قلت: إنها كذلك تغلَّب عليها أفراد غير أكفاء بعيدون عن العلم والصلاح، لا يحترمون العلم وأهله، بل يستهينون بالمدرسين فيها استهانة، وجل تركيزهم على تشييد المباني ورفع العمارات الشامخة، معرضين عن التعليم ورفع مستواه، وكذلك الجماعات الدينية فإنها لا تعتمد الأكفاء القائمين بواجباتهم عن صلاحية وقدرة ومعرفة وأهلية، بل تقدم أشخاصا على أسس غير علمية ودينية، وترجحهم على من هم أفضل منهم ترجيحا ظلما وعدوانا.

قالوا: فما ترى في المعلمين؟

قلت: إن التعليم مسؤولية كبيرة، يجب أن لا يحملها إلا من أوتي حظا من العلم والأمانة، ومتى تقدم غير الأكفاء أفسد التعليم إفسادا كبيرا، فوا أسفاه على من يعلِّم النحو وهو لا يحسنه، ومن يعلِّم اللغة العربية ولم يتقنها علما وذوقا ولم يؤت سليقة كتابية ولا خطابية، ومن يعلم الحديث وهو من أجهل الناس بمناهج أهله، وببلاغة النبي صلى الله عليه وسلم ومناحي بيانه، ومن يعلم التفسير، ولم يتدبر كتاب الله تعالى ولم يألف أساليبه، غير متق لله ولا مؤمن بالغيب إيمانا، ومن يزاول تدريس مادة الفقه والإفتاء ولم يتفقه حِكَم الشرائع ولا أسرارها ولم يذق من حقائقها، ولم يعرف معنى الاستنباط والاستخراج، ولم يُجِد إلا استراق فتاوى من كتب المتأخرين وانتحلها انتحالا، أخرج ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن مالك، قال: أخبرني رجل، أنه دخل على ربيعة بن عبد الرحمن، فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ وارتاع لبكائه، فقال له: أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم، قال ربيعة: ولبعض من يفتي ها هنا أحق بالسجن من السراق”.

قالوا: فما العلاج؟

قلت: هو أن نستحضر مستيقنين أنا أمناء الله على أرضه موالي كفاية، فلا نقدم أحدا لعمل إلا إذا كان عالما به وأهلا له كفؤا، يترقى إلى المعالي بنفس عزوف عن النقائص والمسبات، وبحلم وعقل راجح لا تستخفه الشدائد ودواهي الملمات، صاحب همة تُرذل الدنيئات، ونفس شرفت أن تهُمَّ بالإشراف والمطامع، أو أن تتخذ الدين تحرفا أو مهنة أو صناعة من الصنائع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”، فلا تأخذوا هذا الدين إلا من عالم صالح مزدانا بغُرِّ الأخلاق وصوافي الفضائل وكرام السجايا، من عفة لسان وتواضع ووفرة جود وحنان إلى المعروف وإنجاز وعد وزهد وإخلاص، وتَبصَّروا أنه لم يضر هذا الدين مثل علماء السوء طغام الناس أصحاب السخافة والدناءة وذوي الرذالة والرداءة، يقعون في أعراض المسلمين والحرمات، ويأكلون أموال الناس بالباطل والإثم والعدوان، ويتغدون ويتعشون على لحوم الناس وشحومهم متلطخين بها ومتلوثين تلوثا، فما أشأمهم وما أنحسهم، وما أشقاهم وما أتعسهم، صادقا عليهم قولُ القائل:

إذا كان الغراب دليل قوم
سيهديهم إلى دار الخراب