رحلة تركيا (3) يوم الخميس 11 ربيع الثاني 1440/20 ديسمبر 2018

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

المقالات المقدمة اليوم:

وصلنا إلى القاعة قبيل التاسعة، والمقالات المقدمة في جلسات اليوم: الدكتور طيار آلطي قولاج: “نقطة التحول في موقف المستشرقين من تاريخ المصحف في العصور الأولى”، الدكتور عمر فاروق خرمان: “تدوين التوراة وتحريفها عند مصطفى الأعظمي”، الدكتور إحسان قهوجي: “إسهامات مصطفى الأعظمي في دراسات تاريخ القرآن من خلال كتابه تاريخ النص القرآني”، الدكتور فولكان يلدران صتودولسكي: “موقف الأعظمي من المستشرقين: التباين المنهجي في مقارنة الأديان والثقافات”، الدكتور أوزجان خضر: “تصور الأعظمي للمدونات الاستشراقية في القرآن والحديث وأثره”، الدكتور أبو الليث الخيرآبادي: “معالم الشيخ محمد مصطفى الأعظمي في الرد على مطاعن المستشرقين حول السنة”، الدكتور خالد أوزقان: “موقف مصطفى الأعظمي من نظرية الراوي المشترك”، الدكتورة فاطمة قزل: “تقييم انتقادات مصطفى الأعظمي لأبرز دعاوي المستشرقين المتعلقة بالأحاديث وتأثيرها في الغرب”، الدكتور أحمد صنوبر: “نقد الدكتور الأعظمي لنظرية شاخت الأسانيد المتأخرة أكثر دقة واكتمالا، تحليل وتعزيز”، الدكتور فتح الدين البيانوي: “منهج نقد آراء المستشرقين في السنة النبوية دراسة استقرائية في كتابات الدكتور محمد مصطفى الأعظمي”، الدكتورة راحلة قزل قايا يلماز: “موقف محمد مصطفى الأعظمي من اتجاهات المستشرقين حول تأليف الموطأ”، الدكتور ياشار جولاق: “تحليل موقف الغرب من نقد الأعظمي، وسمية أونوق دميرجي: موقف شاخت والأعظمي من عمل أهل المدينة، والدكتور بلال آبياقان: “موقف شاخت والأعظمي من منشأ الفقه الإسلامي”.

وقدمت بنتي سمية أكرم مقالها بعنوان: “إسهامات الأعظمي الحديثية في ضوء الدراسات الغربية المعاصرة”، ولقد نجحت في تلخيص فكرة مقالها وتركيزها وأدائها، وهذا أول مقال لها قدمته في مؤتمر دولي، فبارك الله فيها وزادها علما وفضلا ونفع بها، وتقبلها بقبول حسن.

وعنوان بحثي الذي قدمته في بعض: “الشيخ مصطفى الأعظمي ونقده للمستشرق الشهير جوزيف شاخت”، وخلاصته: محور جهود شيخنا العلامة الدكتور محمد مصطفى الأعظمي (ت 1439/2018م) الرد على دسائس المستشرقين والعلماء المسيحيين، والكشف عن تحريفاتهم، وبيان مكامن الضعف في أدلتهم وتحقيقاتهم، دافع عن مكانة القرآن الكريم وتاريخه، وعظمة الحديث وحجيته دفاعا قويا، وتبع في كفاحه العلمي والتحقيقي المنهج الأكاديمي السائد لدى علماء الغرب وباحثيه. من أشهر مؤلفاته: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، ودراسة نقدية لكتاب أصول الشريعة المحمّدية للمستشرق جوزف شاخت.

استثار المستشرقون شبهات حول مصادر هذا الدين، وحاولوا تشويه الحقائق باسم الدراسة والبحث، وأكبر هؤلاء المستشرقين بعد جولد زيهر هو جوزف شاخت، نال كتابان له انتشارا واسعا في دوائر المستشرقين وأذنابهم المتغربين، أحدهما (أصول الشريعة المحمّدية) 1950، والثاني (تعريف بالشريعة الإسلامية) 1964م، ومن أوهامه أن المذاهب الفقهية تولدت في القرن الثاني صائغة عادات مجتمعاتها وسننها الجاهلية في صورة الشريعة والقانون، وبرزت كرد فعل لهذه المذاهب الفقهية جماعة مناوئة عارضت تلك العادات والسنن، واخترعت أحاديث باطلة عن الأحكام والشرائع ونسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لم تستطع المذاهب الفقهية مقاومة هذا الاتجاه الجديد وشعرت بقوة خصومها، فاخترعت أحاديث لكل مسألة من مسائل الفقه لتحافظ على وجودها، ودأب العلماء في القرنين الثاني والثالث على أن ينسبوا آراءهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثم تضخمت هذه الكمية الهائلة من الفقه والحديث والتي يراها المسلمون مقدسة، واختلق الفقهاء والمحدثون نظام الإسناد ليصبغوا آراءهم بصبغة دينية مفترين رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

درس الأعظمي افتراضات شاخت دراسة واعية، وألف نقدا لكتابه علميا محققا ظهر سنة 1985، رد فيه على نظرية شاخت المضللة المتهاوية المموهة عن مصادر الفقه الإسلامي، وأثبت أن المصدر الحقيقي للفقه كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأوضح أن الحديث مداره على الأسانيد وطرق الرواية، وأن المحدثين قاموا بخدمات جليلة في حفظ الأسانيد وبحثها وتحقيقها، لا يوجد لها مثال في دين ولا حضارة، وإنه عملية للتوثق من الأحداث التاريخية يجب أن ينظر إليها بعين الاحترام، وأن تعتز بها البشرية جمعاء.

مجلس لي مع الطالبات الباحثات:

وكان على ختام المؤتمر مجلس لي مع الطالبات الباحثات، قرأت اثنتان منهن ملخص بحوثهما عليَّ حول موضوع “دراسة الاتجاهات البدعية في البصرة وأثرها على الحديث”، و”رحلة تابعي البصرة إلى المدينة للتحقق من بعض أحاديث البصرة”، وقدمتُ رأيي عن المقالين بتفصيل، ووأرشدت الطالبات إلى ما يساعدهن في استيعاب الحركة الحديثية بالبصرة، وذلك في ثلاث نقاط:

الأولى: يجب أن نفرق بين المبتدعة من القدرية والخوارج والمرجئة وبين أعلام الحديث الذين تشبه بعض أقوالهم شيئا من الآراء المُحْدَثة، كما ينبغي أن ننتبه إلى أن العالم المصلح قد يشدد على أمرٍ حماية للناس من الوقوع في بدعة، فيُفسَّر موقفه كأنه يميل إلى طائفة معينة، وإني أرى أن الحسن وقتادة وأمثالها شددوا على العمل وبالغوا فيه ردًّا على المرجئة، فنسبوا إلى القدر.

والثانية: أن رحلة أهل البصرة إلى المدينة هي للتوثق من أخبار بَلَغتهم عن أبي هريرة وغيرهم من صحابة المدينة، فأرادوا أن يسمعوها منهم مباشرة، ولا أتذكر أنهم شكُّوا في حديث من أحاديث الصحابة المتوافرين في البصرة فرحلوا إلى المدينة للتأكد منها، وذلك التوثق يشاركهم فيه أهل الكوفة وغيرهم، رضي الله عنهم.

والثالثة: أن الأئمة لم يردو أحاديث أهل البدعة مطلقا، وإنما ردوا أحاديث المعاندين منهم، وقد قبل الشيخان البخاري ومسلم أحاديث المبتدعة الذين عرفوا بالصدق والأمانة والضبط والإتقان في النقل كعبيد الله بن موسى وأمثاله.

عشاء:

ونسق الأستاذ رجب شان ترك حفل عشاء فخم على شرف الضيوف، وجلستُ بجانبه، وتحدث معي عن طباعة بعض مؤلفاتي وترجمة بعضها إلى اللغة التركية لاسيما مقدمة “الوفاء في أسماء النساء” المطبوعة باللغة الإنكليزية منذ عشرة أعوام، وترجمتي لأبي حنيفة بالإنكليزية، وكتابي “الفقه الإسلامي” بالإنكليزية، وتحدثنا أيضًا عن الحاجة إلى تبادل الطلاب بين جامعة ابن خلدون ودار العلوم لندوة العلماء، وسألني أن أناقش الموضوع مع الجهة المعنية في ندوة العلماء، فوعدته بذلك داعيا الله تعالى أن يقدِّر في ذلك خيرا وبركة.