رحلة الحج (28) يوم الأربعاء 18 من ذي الحجة سنة 1439هـ

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

وداع مكة:

أخلينا الفندق الساعة الحادية عشرة ليلا، وركبنا الحافلة الناقلة إيانا إلى مطار جدة، متسللة بنا من خلال أباطح مكة ومثاويها، ودروبها وسراديبها، عالقا بها قلبي، وقد آلمه هذا التعلق إيلاما فيه وجد وطرب، واهتزاز وفرح، ليست أم القرى بلدا من البلاد، إنها قرية مسبوقة ببيت الله عامرة بعمارته، لم يأت عليها حين من الدهر منفصلة عنه منفكة، تنتمي إلى إبراهيم وإسماعيل وهاجر عليهم السلام، وتعتز بخاتم النبيين وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه المصطفين الأخيار، الصالحين الأبرار، لوامع النجوم وسواطع الكواكب، رضي الله عنهم أجمعين، إنها بلدة حرَّمها رب العالمين تحريما، تأبى نفسي أن تبرحها عادلة عنها إلى سواها، وتعجز عن أن تصطحبها معها متواكبتين مترافقتين، وليغبط المؤمن أن تتقاسمه علائق ربه تقاسمًا.

نزحت من مكة، ويا ليتني وجدت من فراقها بدا، ويا ليتني لم أباين واديا فيه إذخر وجليل، وفيه مورد هاجر وإسماعيل، وبادية لي فيه جبال أبي قبيس وعرفات وكبكب، حسبي حزنا أن رحت منها، تكابد أحشائي من شوق إليها وجعا، وتقاسي جوانحي من وله بها فجعا، وما ظلم الشوقُ أحشائي، ولا عدا الولهُ على جوانحي، وإنما غدا ظالما للشوق والوله تفرُّقُ همي وتشتتُ شجني، استوقفوا الركابَ في عرصاتها وقفا، فلي لبانات منها صحبي لم أتقضَّها، دعوني أتمتع من النظر إلى طائفيها وعاكفيها، وراكعيها وساجديها، ودعوني أناجِ ملائكتها المتزاحمين عليها الغابطين حجيجها والعاجبين من زائريها، والمستغفرين لهم استغفارا، ودعوني أتقرب إلى ربها منيبا إليه ومسترحما إياه استرحاما.

وما مسلاتي وعزائي إلا أن ودَّعها الصالحون قبلي ورحلوا عنها عائدين إليها أو غير عائدين، ومن استقبل الكعبة في صلواته فليس لها بهاجر، ومن ابتغى إلى ربها وسيلة وزلفى فليس بقاص سحيق ولو رمته النوى أوطانا غريبة، وقذفه الشط أراضي شاسعة، وليغيِّب الدهر جسمي منها، فلن يجد إلى تغييب قلبي منها سبيلا، ولن يسلبني ذكريات الصلاة فيها، والطواف ببيتها العتيق، والمبيت بمنى، والوقوف بعرفة والمشعر الحرام، إنها ذكريات تمكنت من قلبي تمكنا، فما هي بمنصرفة عنه، ولا هو عنها بصابر أو محتمل نسيانها أو الرغبة عنها إلى غيرها احتمالا، ولله أيامي بتلك الديار ما كان أغرَّها وأبهاها وأنضرها وأرواها، وما أجدَّ البون بينها وبين أيام الدنيا، فأيام الدنيا غير راجعة ولا لذاتها، وأيام مكة فهي رواجع وبركاتها وهباتها.

من جدة إلى أوكسفورد:

ووصلنا إلى مطار جدة الدولي الساعة الثانية والربع صباحا، وجمعنا أغراضنا، واشترينا معلبات ماء زمزم، وجلسنا في قاعة الانتظار، فإن موعد رحلتنا الساعة الثامنة والنصف، وقد أجل تأجيلا، وأخذت أكتب مقالا عن معنى الوقوف بعرفة، فأتممته ونشرته، وصلينا الفجر في الساعة الخامسة في مسجد المطار جماعة.

واستغرقت إجراءات الرحلة على المطار وقتا طويلا، ثم جلست مع بعض أصحابي عند بوابة المغادرة نتجاذب أطراف الحديث، وحدثني الأخ سهيل عن تجربته في كلية إبراهيم بلندن طالبا ومدرسًا، واهتمامه باللغة العربية وآدابها، وناقشنا المنهج الصحيح لتنشئة الأطفال على لغة الضاد الفصحى، وأعربنا عن أسفنا عن تدهور شأن اللسان الفصيح الراقي في بلدان العالم العربي وهوانه على أهله المغترين المتكلفين تعلم لغات أعجمية قد تتصدق عليهم بزخرف من متاع الدنيا الزائل، وتسلبهم كرامتهم وعزة نفوسهم، وما أشقانا أن نبتلى بدهر يفقد العرب فيه حميتهم وأنفتهم وهم بهذا الصغار راضون، ونَدبنا على الصحف والمجلات وبرامج الإذاعة والتلفزيون وعامة المطبوعات المُتخمة بالألحان والأخطاء التي لا تغفر ولا تعذر، ولا يتكلف لها تأويل سائغ، فإلى الله المشتكى.

وأقلت بنا الطائرة بعد الساعة العاشرة، واسترحت أثناء الرحلة استراحة خفيفة، وسألني جليسي كيف يربي أولاده تربية إسلامية صحيحة، وكيف يتعلم هو اللغة العربية، فأفضت في الإجابة عن السؤالين إفاضة أروت غلته وشفت علته، ثم اقترب إلي الشيخ ناصر ضمير، وهو مدير الحملة، فتحدثت معه عن عظمة إبراهيم عليه السلام وإمامته في الدين وفي القرآن الكريم، ومعنى ملة إبراهيم، وضرورة توحيد صفوف المسلمين، وأن نبذل في سبيل ذلك جهودنا ونسعى له سعيا.

وهبطت بنا الطائرة في مطار لندن الساعة الثانية والنصف، وودعت الشيخ مجاهد علي والشيخ ناصر والشيخ كبير الدين والأخ سهيل وغيرهم، ووصلت إلى منزلي في أوكسفورد الساعة الخامسة، وأهلي وبناتي حسنى وهالة ومريم وزوجها علي، وأولادهم ينتظروننا، فحييناهم بتحيات، وصليت الظهر والعصر، ثم تغدينا جميعا، واسترحت قليلا، ولما استيقظت أعطينا الأولاد هداياهم، ففرحوا فرحا كبيرا، وياليتهم علموا ما حصلنا لهم من إجازات عالية وأسانيد مكية ومدنية وشامية ومغربية وهندية، وما دعونا لهم بدعوات، نرجو أن يتقبلها ربنا بقبول حسن.

أكبر فائدة في الحرمين الشريفين:

ما أكبر فائدة اجتنيها خلال زيارتي للحرمين الشريفين؟ إنها ليست ما غنمته من أخينا العالم الفقيه أحمد عاشور من حكايته لصلته بالحديث النبوي الشريف، واقترابه من شيخنا شيخ الحديث محمد يونس الجونفوري، وروايته لتاريخ المدينة المنورة، وأخبار المحدثين والشيوخ، وتأسفه على تفرق المسلمين المزري، وعصبية العلماء، وإنها ليست ما اقتبسته من هدي أحمد وسكوته وسمته وأدبه، أطاع الصلاحَ في كل حكم أتى به، فأقصى الذي يقصي وأدنى الذي يدني، وكلما جرى ذكر أحمد لم أملك أن أحاشي الثناء عليه أو أن أكني عنه كناية، بل إنني في تصريحي لأعيا من كناية ذوي البلاغة والبيان.

وما هي ما اكتسبته من مجلس شيخنا صفوان الداودي يحدث عن العلم والعلماء في بلاد الشام ثم أرض طيبة والمسجد النبوي، ومضامين بعض مؤلفاته، كرمت خلائقه وهُذب فعله تهذيبا، وولا هي ما تلقنته من في الشيخ المقرئ يحيى الغوثاني وهو يحدثنا عن أخباره العجيبة في طشقند وسمرقند وبخارا، وما هي ما أفادني به أخونا الفاضل محمد بن عبد الله الرشيد على الهاتف من حزنه على المذهبية واللامذهبية، وعن المواعظ والحكم، وما وصلني به من معروفه، ومعروفه يُذكر ولا يجزى، وما هي ما انتفعت به من شيخنا مجد مكي مما نشر على رابطة العلماء السوريين وما خصني به من مقالات وبحوث، وإن كان هو ممن انتهى إلى شرف الفعل الحميد وسجايا من الخلق النبيل.

وما هي ما جاد به علي شيخنا محمد بن ناصر العجمي ذو سامي الفضائل وكريم الشيم، وما هي ما ربحت من أخينا العالم الصالح المتواضع الخاشع الهين اللين الدكتور عبد الله التوم، ومن مجالس إخواني الكرام الشيخ تركي الفضلي، والشيخ ماجد الحكمي، والشيخ عمر حبيب الله، وما استقيته من زياراتي للشيوخ والجبال والأطلال والآثار صحبة أحمد عاشور وعبد الله التوم وتركي الفضلي.
وما هي ما حصَّلت من اجتماعي بالدعاة والمبلغين، وخطباء الحرمين الشريفين، ولقائي مع الشيخ عمر سالم باجخيف صاحب دار المنهاج، والشيخ سلمان أبي غدة، والشيخ محمد بن أبي بكر باذيب، وما اقتبسته من كلمات الشيوخ ناصر ضمير ومجاهد علي وكبير الدين من أصحاب حملتنا.

ولا ريب أن ما تعلمت من المذكورين من شيوخي وإخواني هي فوائد قيمة ذات مناح جمة، مقربة إياي إلى حقائق العلم، ودافعة عني الظنون الكواذب، وقد تعدل بعض منها رحلة أو تفوق، ولن أنسى تلك الأجنحة النورانية البيضاء التي كانت تظللني صحبة أولئك الإخوان الأصفياء، وفي أجواء تلك المجالس الفيحاء، وإني أشكرهم جميعا على ما أفادوني، وما أعانوني به في رحلتي، وإني لمعترف لهم بالفضل وداع لهم بكل خير، منوِّها بأن الود قد عقد بيني وبينهم عقدا لا يحله إلا ريب المنون، وما أشاء أن أرى خصلة من خصال الخير في امرئ من علم وحلم، وذكاء وأدب، وتواضع وخلق حسن، وعفة ورحمة، وشرف ووفاء إلا وجدتها فيهم مجتمعة في بعضهم، ومفرقة في آخرين، وفي كلٍّ خير، تابعوا خطواتهم على درب العلم والصلاح، فسبقوا الطَّلُوب وأدركوا المطلوب، ولهم فِكَر يُنجِحن في كل مبتغى ومراد.

فما هي أكبر فائدة جنيتها إذًا في جهتي هذه؟ هي ما أثقل ظهري من الموعظة الوجيزة التي كنت أسمعها عقب كل صلاة في الحرمين الشريفين، وهي قول المنادي: “الصلاة على الأموات رحمكم الله”، إنه ذكر للموت، هاذم للذاتي، وكاسر لعنادي، وصارف لفكري إلى أحياء يمشون على الأرض كما أمشي فصاروا همدا لا حراك بهم، ومحمولين على آلة حدباء شاؤوا أم أبوا، كانت هذه الموعظة البليغة تملأ قلبي خوفا، وتذكرني بمصيري، يوم تطوى علي الأرض طيا، وأخرج مما في يدي، ويحثو قومي علي التراب وأبقى منفردا وحيدا، وتوقفني بين يدي أخوف أيامي، يوم لا تكون إلي رغبة، وتُعلمني بأني سأموت فينغص لي طيب الحياة، ويبلى معي ذكر الذاكرين لي، لله در صاحب معرة النعمان مفخرتها بل مفخرة الدهر، إذ قال:

وخوف الردى آوى إلى الكهف أهله
وكلَّف نوحا وابنه عمل السُّفْن
وما استعذبته روح موسى وآدم
وقد وُعدا من بعده جنتي عدْن

يا نفس اذكري منيتك، واذكري البلى، وإياك أن تبطري أو تعلو على غيرك وتتبختري، فسوف تتحولين إلى جيفة تستقذر، فانظري في نهايتك، وأقبلي على شأنك، وتزودي للآخرة، واقنعي من الدنيا بالكفاف، فإن كان لا يغنيك ما يكفيك، فكل ما في الأرض لا يغنيك، وانتفعي بعقلك، واجعلي حسن العمل ذخرك، واستودعي الله أمورك كلها، إن لم يكن ربك لها فمن لها؟