رحلة الحج (11) يوم الأحد غرة ذي الحجة سنة 1439هـ

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة الفيل:

وملخص ما شرحت لهم اليوم من تفسير سورة الفيل للعلامة الفراهي:

اعلم أن قصة أصحاب الفيل لها إجمال وتفصيل، أما مجملها فهو الذي نص عليه القرآن، وأما تفصيلها فأخذوه من الروايات المختلفة المتفاوتة في الصحة والضعف، والمفسرون يذكرون تفاصيل القصص من غير بحث عما ثبت وعما لم يثبت، وهذا ربما يعظم ضرره، وربما يصرف عن صحيح التأويل، فلا بد أولا من الفرق بين المنصوص وبين المأخوذ من الروايات، ثم لا بد ثانيا من التمييز بين ما ثبت وبين ما لم يثبت.

فالآن ننظر أولا فيما زعموا من سبب مجيء أبرهة ومما جرى بينه وبين أهل مكة، وثانيا فيما كان من رمي أصحاب الفيل، وثالثا فيما كان من أمر الطير، فههنا ثلاث نظرات:

النظرة الأولى: كل ما ذكروا من سبب مجيء أبرهة لغضبه على العرب، ومن فرار أهل مكة، ومما جرى بين أبرهة وعبد المطلب لم يثبت من جهة السند، فإن كل ذلك لا يجاوز ابن إسحاق، ومعلوم عند جهابذة أهل الحديث أنه يأخذ الروايات من اليهود وممن لا يوثق به، ثم يبطل هذه الأمور روايات أخر، ويبطله ما ثبت عندنا من عادات العرب.

ومما يدل على كونها من أكاذيب الأعداء أنها ما تعمدت إلا غضاضة من العرب وحميتهم، وإهانة لرئيسهم عبد المطلب القرشي، وتنويها بحسن خلق أبرهة الحبشي، ومسبة على من هيجه على هدم الكعبة، وبسطا لعذره إذ انتصر لكنيسته، فلم يترك الكذابون شيئا من الذلة والمنقصة والعار والشنار إلا نسبوه إلى العرب وقريش ورئيسها، ونذكر وجوها تدل على هذا الكذب:

فالأول: إنهم زعموا أن عبد المطلب قال: إن لهذا البيت ربا يمنعه، فقام على باب البيت ودعا الله، ثم تحرز مع جمع أهل مكة بشعف الجبال. فنقول: إنه ليس على وجه الأرض قوم لا يعتقد أن معبده بيت الله، فهل تراهم مع ذلك يتركون معابدهم في أيدي العدو ولا يدفعون عنها، هذا لا يتصور من سكان السهول فكيف من قريش، بل سائر بني إسماعيل؟

والثاني: إنهم زعموا أن عبد المطلب جاء إلى أبرهة يسأله ما أخذ عسكره من إبل عبد المطلب، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه، فنزل عن سريره وجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم جرى الكلام بينهما، فقال أبرهة: أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه. فهل يمكن أن يترك عبد المطلب التكلم في أمر البيت بعد ما رأى وسمع من أبرهة ما يستيقن به أنه لو سأله الانصراف عن هدم البيت لفعل، ثم إنه لم يترفع عن المجيء إليه والسؤال لإبله.

والثالث: إن أهل السير يروون أن القبائل من أول خروج أبرهة كانت تهجم على جيشه، وتمنعه عما أراد، وذلك يدل على أن العرب كلها صارت مخالفة له، وقتالهم أبرهة كان من الوقائع المشهورة، وهذا هو أقرب إلى العقل، فإن جمهور العرب تعظم الكعبة، فلا أدري كيف غلب الرعب على قريش حتى إنهم لم ينتصروا لما عليه بناء رئاستهم وشرفهم فضلا عما أشربت النفوس من الذب عن دينها ومعبدها.

والرابع: إن علماء السير يروون أن جيش أبرهة جاء في موسم الحج، فإن خافت قريش، فهل دخل الفشل في جميع العرب؟ وقد كانوا يقاتلون جيش أبرهة وهم متفرقون.

والخامس: إنهم عابو ثقيفا لفرارهم عن حماية الكعبة، فلو فرت العرب كلها مثل ثقيف لما عابوا ثقيفا.

والسادس: إنهم قد زعموا أن أبرهة كان رجلا حليما، وإنما هيجه أحد بني فقيم إذ دخل كنيسته ونجسها، ويبطل هذه الرواية سائر أحوال أبرهة وتعصبه في دينه، فإنه لما استولى على اليمن قتل أميرها أرياطا اليهودي، وأبطل اليهودية من اليمن، وبنى كنيسة لم ير مثلها، فإن صح ذلك فالظاهر أن أبرهة لم يمكنه صرف العرب عن الكعبة، لما أنهم نشأوا على حبها القديم، وعلموا أنها بناء أبيهم إبراهيم، فعزم أبرهة على هدمها.

والسابع: إن القرآن صرح بكيد أصحاب الفيل، وما زعموا من مجيء أبرهة ليس فيه كيد، وإنما هو مجاهرة بالقدرة وإرغام لجميع العرب، وأما على ما يستنبط من الروايات الموثوق بها فيثبت منه كيده من وجوه: الأول إنه جاء في الأشهر الحرم إذ ظن أن العرب تمسك فيها عن القتال وحمل السلاح، والثاني إنه أراد دخول مكة حين تخلوا من أهلها وهم مع سائر العرب في حجهم، والثالث إنه أراد الهجوم عليهم خاصة في أيام التشريق، والعرب حينئذ إما واقفون بمنى أو مسرعون إلى أوطانهم.

الشيخ عبد الوكيل الهاشمي:

خرجت اليوم أنا وبناتي سمية وفاطمة وعائشة، والشيخ مجاهد علي، والأخ عبد الحكيم، والأخ سهيل صحبة الأخوين عبد الله التوم وتركي الفضلي لزيارة شيخنا الجليل العلامة المحدث الفقيه عبد الوكيل الهاشمي، وحوله جماعة من طلبة العلم، فسمعنا من لفظه المسلسل بالأولية، وسمعنا عليه أوائل الكتب الستة، وستة أحاديث ومائة حديث من أول كتاب الزهد للإمام وكيع بن الجراح رحمه الله تعالى بقراءة الأخ عبد الله التوم، وأجاز لي ولزوجي وبناتي وأسباطي وأصهاري وتلاميذي، ولسمية وزوجها وولدها، ولفاطمة وعائشة، وأجاز لسائر الحضور إجازة عامة.

وسألني إذا كنت أنا الذي نقلت (بستان المحدثين) لعبد العزيز الدهلوي من الفارسية إلى العربية وحققته، قلت: نعم، وأشار إلى قصة: “ويروى أنه كان في المدينة محمة يغسل فيها النساء الميتات وأنه جيئ إليها بامرأة، فبينما هي تغسل إذ وقفت عليها امرأة فقالت: إنك زانية، وضربت يدها على عجيزة المرأة الميتة، فالتزقت يدها، فحاولت وحاول النساء رفع يدها فلم يمكن ذلك، فرفعت إلى والي المدينة، فاستشار الفقهاء، فقال بعضهم: تقطع يدها، وقال آخر: تقطع بضعة من الميتة، لأن حرمة الحي آكد، فقال الوالي: لاأبرم أمرا حتى أوامر أبا عبد اللّه فبعث إلى مالك رحمه اللّه تعالى، فقال: لايقطع من هذه ولا من هذه، ما أرى إلا امرأة تطلب حقها من الحد، فحدوا هذه القاذفة، فضربها تسعة وسبعين سوطًا، ويدها ملتصقة، فلما ضربها تكملة الثمانين انحلت يدها. (محمد بن علوي المالكي الحسني: أنوار المسالك 244، وقد نقل هذه القصة من شرح التجريد الصريح للعلامة الشرقاوي 343). واستفسرني هل ذكرها أحد من المتقدمين؟ قلت: سألت عن هذه القصة الشيخ عبيد الله الرحماني رحمه الله لما زرته في منزله في مباركفور، فأنكرها، وعاب المؤلف على ذكرها في كتابه، فقال الشيخ عبد الوكيل: هو شيخي.

واحتفى بي احتفاءا كبيرا وتحدث معي ومع بناتي بالأردية، وأوصانا بكثرة الاستغفار والدعاء بعد الظهر إلى غروب الشمس يوم عرفة، وكثرة التكبير والذكر في أيام التشريق، ويرى صيام يوم عرفة للحاج اتباعًا للإمام الزهري، وكان المجلس ذا فوائد كثيرة جدة، وربما أتى بطرف وملح علمية وأدبية، ومازح الطلبة، والشيخ حفظه الله متودد إلى الحضور والمستمعين غير ثقيل عليهم، وتلك صفة نادرة في الشيوخ.

ورغب بعض الطلبة ممن زاره من الرياض في أن يسمع عليه أوائل الكتب الستة، فامتحنه وسأله: ما علاقة حديث “إنما الأعمال بالنيات” بباب “بدء الوحي” في صحيح البخاري؟ فلم يعرف الوجه، فأنكر الشيخ على المنهج التعليمي السائد هذه الأيام إذ لا يبذل الطلاب الجهد الكافي في الفقه والفهم، وجل همهم القراءة السريعة والاستجازة.

وعهدي بالشيخ حفظه الله قديم، فأول ما زرته في منزله بالرصيفة بمكة المكرمة ليلة الجمعة تاسع رمضان سنة ثمان وعشرين وأربع مائة وألف مع ابنتي حسنى وسمية، فسمعنا عليه المسلسل بالأولية بقراءة الشيخ نظام اليعقوبي، كما سمعنا عليه كتابه (أربعين أثرا للسعادة من عمل بهن خرج من ذنوبه مثل يوم الولادة) بقراءة الأخ عبد الله بن أحمد التوم، وأجاز لنا ولجميع بناتي إجازة عامة، وزرته كذلك في الثالث والعشرين من شعبان سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة وألف ومعي بناتي وأمهن، صحبة الشيخ هيثم الحداد والأخ أبي هريرة، فاستفدنا منه في جوانب حديثية، وكتب لنا إجازته: بـسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد طلب مني المذكورون أن أجيزهم بكل ما لي من مرويات ومقروءات ومسموعات، فأقول: قد أجزت المذكورين بكل ما يصح لي روايته ويجوز لي درايته من مقروء ومسموع ومكتوب وكذلك ما لي من مؤلفات ورسائل وأبحاث سائلاً المولى العلي القدير أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وزرته بعد ذلك غير مرة.

ترجمته:

وهو الشيخ العلامة أبو خالد عبد الو كيل بن أبي محمد عبد الحق بن عبد الواحد بن محمد بن الهاشم العمري الهاشمي المكي، ولد سنة سبع وخمسين وثلاث مائة وألف، بدأ دراسته على جده الشيخ عبد الواحد رحمه الله، ثم التحق بإحدى المدارس الحكومية، ثم التحق بمدرسة دار الحديث المحمدية ببلدة جلال بور، وتعلم على يد الشيخ سلطان محمود وهو أكبر تلامذة والده ومكث فيها أربع سنوات، ثم تم ترحيل أسرة والده إلى الحجاز حيث كان والده بمكة المكرمة، فالتحق بمدرسة تحفيظ القران بمكة حتى تخرج منها، ثم التحق بمدرسة دار الحديث في دار الأرقم في أصل الصفا ثم أكمل تعليمه على يد والده في المسجد الحرام.

ومن شيوخه الذين حضر مجالسهم وقرأ عليهم وأجازوه مشافهة ومكاتبة: أبوه، والشيخ عبيد الله الرحماني، والشيخ عبد السلام البستوي مدير مدرسة دار الحديث، والشيخ سلطان محمود، والشيخ شمس الحق ابن الشيخ عبد الحق الملتاني، والشيخ الحافظ محمد عبد الله بدهي مالوي شيخ الحديث، وشيخنا محمد بن إسماعيل العمراني، وشيخنا عبد الله بن أحمد الناخبي، وعبد الرحمن بن إسماعيل الوشلي التهامي.

ومن شيوخه الذين حضر مجالسهم وقرأ عليهم وأجازوه مشافهة: الشيخ تقي الدين الهلالي، قرأ عليه حديثا واحدا من سنن الترمذي في دار سماحة الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله وبحضور الشيخ فتح محمد مرة في مدينة فاس في المغرب، والشيخ عبد الرزاق حمزة قرأ عليه مجلدين أو ثلاثة من البداية والنهاية، والشيخ أحمد شاكر قرأ عليه حديثا واحدا من سنن الترمذي، والشيخ ناصر الدين الألباني، قرأ عليه عدة أحاديث في المدينة المنورة، والشيخ أبو سعيد اللكنوي قرأ عليه دروسا في دار الحديث في باب العمرة، والشيخ عبد الظاهر أبو السمح، والشيخ سليمان حمدان، والشيخ يحيى المعلمي، وشيخنا محمد المنتصر الكتاني، والشيخ علوي المالكي، والشيخ محمد العربي، والشيخ محمد الكوندلوي، والشيخ محمد حياة السندي، والشيخ عبد الستار الدهلوي.

ومن شيوخه الذين حضر مجالسهم ولم يستجزهم: الشيخ المحدث المناظر أبو الوفاء ثناء الله الأمرتسري، والشيخ المحدث بقية السلف أبو تراب عبد التواب القدير آبادي، والشيخ المحدث الفقيه أبو محمد عبد الحق الملتاني، والشيخ المحدث أبو عثمان العظيم آبادي، والشيخ المحدث عبد العزيز الرياستي، والشيخ المحدث عبد الله الروبري، والشيخ إسماعيل الغزنوي، والشيخ داود الغزنوي، والشيخ المحدث البكّاء عبد الجبار الكنهدلوي، والشيخ المحدث أبو محمد عبد الستار الدهلوي، والشيخ عبد الرحمن الإفريقي، والشيخ محمد علي الكهوكهوي، وسماحة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، والشيخ عمر بن حسن آل الشيخ، وسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية، والشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد العزيز ابن باز مفتي المملكة، والشيخ عبد الله بن دهيش رئيس المحكمة الكبرى، والشيخ إسماعيل الأنصاري، والشيخ حماد الأنصاري، والشيخ إبراهيم السيالكوتي، والشيخ محمد البتالوي، والشيخ إسماعيل السلفي، والشيخ داود راز، والشيخ أحمد الدهلوي مدير مدرسة دار الحديث بالمدينة المنورة.

ومن مؤلفاته: (عناية الباري في ضبط مواضع أسماء الرجال في صحيح البخاري)، و(مفتاح القاري في عد أسماء الكتب والأبواب والرواة والمعلقات والمتابعات من صحيح البخاري)، و(عناية الوهاب لمن أخرج لهم البخاري أو أستشهد به أو له ذكر من الأصحاب)، و(إنعام الباري في معجم أحاديث شيوخ البخاري)، و(مسند القزويني)، هذب (سنن) ابن ماجة ورتبه على ترتيب المسند، و(الحطة في معجم أحاديث الشيوخ الأئمة الستة)، و(البحر الزاخر فيما روى الإمام البخاري في جامعه من شيخه بواسطة شيخه الآخر)، و(فتح الواحد فيما روى الإمام البخاري في جامعه عن شيخين في حديث واحد)، و(التعداد فيمن خضب لحيته من الصحابة وأئمة الحديث بالحناء والكتم والصفرة والسواد)، و(أربعين أثرا للسعادة من عمل بهن خرج من ذنوبه كيوم الولادة)، و(البطشة الكبري في غزوة بدر الكبري)، و(تحقيق الأحاديث المنسوبة إلى الإمام الذهلى في البخاري وأسئلة وأجوبة)، و(دعاء المضطرين من البشر ومناجاتهم في وقت السحر)، و(يا أهل الفرش لذوا بأسماء ذي العرش)، و(القول الصحيح فيما فات من ابن عدي وابن عساكر وابن مندة. والصاغاني وما زادوا في كتبهم من أسماء مشايخ الإما م البخاري في جامعه الصحيح)، و(بدائع المنن في أسامي شيوخ الشيخ وأصحاب السنن)، و(مختصر عنابة الباري)، و(أقوال المحدثين وجمهور الفقهاء على أن يغسل الزوج زوجته بعد موتها).