ذكر جميل لأيام في القدس والخليل (8) 21 رمضان يوم الأربعاء

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

​تسحرنا ثم صلينا الفجر في المسجد، واسترحنا إلى الساعة الثامنة، واليوم سنخرج لزيارة المسجد الأقصى والاطلاع على أجنحته وما حوله من الآثار والتاريخ.

سور المدينة:

​بدأنا تجوالنا بسور المدينة، بناه – كما مضى – سليمان القانوني، ويوجد فيه أحد عشر باباً، سبعة منها مفتوحة وهي باب الخليل في الجدار الغربي، وباب الحديد أو باب السلطان عبد الحميد الثاني في الجانب الشمالي، وباب العمود أو باب دمشق في منتصف الجدار الشمالي، وباب الساهرة في الجدار الشمالي، وباب المغاربة في الزاوية الغربية الجنوبية، وباب النبي داوود أو باب صهيون الجدار الجنوبي، وباب الأُسود أو باب الأسباط في الجدار الشرقي.

​والأبواب الأربعة المغلقة هي باب الرحمة على مسافة مئتي متر جنوبي باب الأسباط، والباب المفرد في الجدار الجنوبي قرب الزاوية الجنوبية الشرقية، والباب الثلاثي في الجدار الجنوبي، والباب المزدوج في الجدار الجنوبي أيضًا.

​ودخلنا المدينة من باب الساهرة جاعلين باب العمود على يميننا، والمسافة بينهما نصف كيلومتر، وهو مدخلنا من جهة الفندق الذي نقيم فيه، وهو باب صغير يتمتع بثراء زخرفي، ويؤدي إلى حارة السعدية وحارة باب حطة، والساهرة تعنى المكان المنبسط الفسيح، وقد صحفت بالعامية فأصبحت زاهرة، ثم تصحفت إلى الزهور.

باب الملك فيصل:

​مشينا من خلال حارات المدينة القديمة ودخلنا في المسجد من باب الملك فيصل على يمين باب حطة، وعلى الباب حرس دولة اليهود يفتشون الداخلين والخارجين تفتيشا، أطلق على هذا الباب عدة أسماء، أشهرها باب العتم سمي به بعد بناء القنطرة التي تتقدم الباب من جهة الشمال مما سبب ظلاما في وضح النهار، وعرف أيضا باسم باب شرف الأنبياء، وتسميته بباب الملك فيصل تسمية حديثة جاءت نسبة للملك فيصل الثاني ملك العراق لما زار القدس سنة 1943م وتبرع لعمارة المسجد الأقصى المبارك .

​دخلنا في المسجد حوالي الساعة العاشرة والنصف، وأول شيء شاهدنا هنا عجوزين تختصمان اختصاما شديدا.

هيكل سليمان:

​قد أشاعت اليهود خرافة هيكل سليمان، يظنون أنه هو المعبد اليهودي الأول الذي بناه الملك سليمان، دمره نبوخذ نصر الثاني بعد حصار القدس سنة 587 قبل الميلاد، وأن موقعه مكان قبة الصخرة او بجانبها، ويرى المؤرخون وعلماء الآثار أن قصة الهيكل مختلقة.

قبة الصخرة:

​ودخلنا في مصلى قبة الصخرة حوالي الساعة الحادية عشرة، بناها الخليفة عبد الملك بن مروان، وهي عبارة عن بناء مثمن الأضلاع له أربعة أبواب، وفي داخله تثمينة أخرى تقوم على دعامات وأعمدة أسطوانية، ثم نزلنا أسفل الصخرة في كهف به محراب قديم يطلق عليه مصلى الأنبياء.

​وكان معنا دليل، فادعى أمورا كاذبة، منها أن عبد الملك بن مروان بنى الصخرة ليصرف الحج إليها، فأوضحت لرفاقي أن هذا الدليل يأفك الأباطيل ويختلق الآثار، ومنها أن الصخرة من الجنة معلقة بين السماء والأرض، وأن عليها موضع قدم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وعليها أثر أصابع الملائكة.

المسجد القديم:

​توضأنا في الميضأة التحتية حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف، والحمامات والمواضئ نظيفة، ثم دخلنا في الدور الأرضي في المسجد الأقصى عبر درج حجري، يتكون من رواقين كبيرين، وهو المسجد القديم، وصليت فيه ركعتين، يقال: بناه عمر بن الخطاب، وفيه مكان للمصابيح والزيوت، وفيه أعمدة حجرية ضخمة تنسب إلى بناء سليمان عليه السلام.

المكتبة الختنية:

​ودخلنا من المسجد القديم في المكتبة الختنية، وهي مكتبة كبيرة، أنشأ مبناها صلاح الدين الأيوبي وأوقفها على الشيخ جلال الدين أحمد بن أحمد بن محمد الشاش، وكتاب وقفها بتاريخ 18 ربيع الأول 587 هـ، تولى مشيختها والتدريس فيها عدد من كبار العلماء، وفي سنة 1999 أعيد ترميمها وطورت مكتبة، وترجع تسميتها إلى عالم من ختن قدمها سنة 520 من الهجرة زائرا، وهو الشيخ عبدالله الختني، وقد مثلت المكتبة متحفا عريقا يحتفظ بالمخطوطات النفيسة والثمينة.

حائط المبكى:

​خرجنا من المسجد من باب السلسلة في الساعة الثانية عشرة والربع إلى باب الجدار الغربي، ومررنا بتفتيشات حتى وصلنا إلى حائط المبكى الذي يلتزمه ويبكون ويندبون.

​يسميه المسلمون حائط البراق، زاعمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بربط البراق عند إسرائه في حلقة منه، يحد المسجد من الناحية الغربية، و يمتد من باب المغاربة جنوباً، حتى المدرسة التنكزية شمالاً بطول خمسين متراً، وارتفاع يقترب من أربعين مترا، سمي بحائط المبكى لأن اليهود يعتقدون أن هذا الحائط هو الأثر الوحيد المتبقي من هيكل النبي سليمان عليه السلام، و أنه محرم عليهم دخول المسجد منذ خراب الهيكل، ويعتبرون هذا الحائط قبلة صلاتهم ويؤدون طقوس الصلاة والحداد أمامه، ومن ضمن تلك الطقوس إظهار الندم والتباكي حزنا على جلائهم وتشردهم في الأرض وتيههم فيها، ويرجع هذا التقليد من البكاء والندب إلى العهد العثماني.

باب المغاربة:

​ثم زرنا باب المغاربة، ويقال إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل منه المسجد، وعند الباب رواق، دخلنا فيه فرأينا اليهود في عدد كبير يقرأون فيه التوراة، وسمي بباب المغاربة لأن القادمين من المغرب كانوا يعبرون منه لزيارة المسجد الأقصى.

نقاش مع بعض اليهود:

​وتحدثنا عند حائط المبكى وباب المغاربة مع عدد من اليهود حول الوضع الراهن في فلسطين، وجرى لي نقاش مع بعضهم إذ زعم أن القرآن يأمر بقتل اليهود، حتى إن الأشجار تشير بقتل اليهود وأن ذلك موجود في القرآن. فقلت له: إن نسخ القرآن الكريم متوافرة في اللغات كلها، فهلا حصلت على نسخة منه في لغتك وقرأته كاملا؟ إن مشكلتكم هي الاعتماد على الإشاعات والأراجيف.

​ثم سألته وها تأمر التوراة بقتل المسلمين؟ قال: لا، فقلت: فلِم يقتل اليهود المسلمين، ويهلكون الحرث والنسل، ويعيثون في أرض الله فسادا؟ فبهت الذي كفر.

كنيسة القيامة:

​ثم اتجهنا من خلال الدروب القديمة والمباني العتيقة إلى مسجد عمر بن الخطاب مارين بكنيسة القيامة، قامت أميرة بيزنطية ببنائها فوق الجلجلة أو الجلجثة وهي مكان الصخرة التي يعتقد أن المسيح عليه السلام صلب عليها، وأعاد الصليبيون بناءها، واختلقوا فيه قبرا للمسيح يُزار. وسُمّيت كنيسة القيامة نسبة إلى قيام المسيح من هذا المكان بعد موته، كذبوا، وصدق الله: “وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم … وما قتلوه يقينا، بل رفعه الله إليه”.

مسجد عمر بن الخطاب:

​ودخلنا في مسجد عمر بن الخطاب حوالي الساعة الواحدة والربع، ويقع في الفناء الجنوبي من كنيسة القيامة، لما قدم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بيت المقدس دعاه البطريرك فأجاب دعوته، وأدركته الصلاة فالتفت إلى البطريرك وقال له: أين أصلى؟ فقال: مكانك فصل، فقال: أخشى إن صليت فيها أن يغلبكم المسلمون عليها ويقولون هنا صلى أمير المؤمنين. وابتعد عنها رمية حجر وفرش عباءته وصلى، وبني المسجد على ذلك المكان، وشيد في شكله الحالي من قبل الأفضل بن صلاح الدين في سنة 1193 من الميلاد، ثم جدد بناءه السلطان العثماني عبد المجيد الأول 1839-1860.

​ومكتوب على جدار المسجد: بسم الله الرحمن الرحيم، العهدة العمرية: هذا ما أعطى عبد الله، عمر، أمير المؤمنين، أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها. أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيِّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود. وعلى أهل إيلياء أن يُعطوا الجزية كما يُعطي أهل المدائن. وعليهم أن يُخرِجوا منها الروم واللصوص. فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا أمنهم. ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية. ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بِيَعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بِيَعهم وصلبهم حتى يبلغوا أمنهم. فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية. ومن شاء سار مع الروم. ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. كتب وحضر سنة خمس عشرة هجرية.

​وقد اختلف المؤرخون في رواية نص العهد العمري اختلافا كبيرا، ليس هذا بموضع مناقشته.

​وصليت هنا بالناس الظهر، وألقيت أمامهم كلمة حول تاريخ بيت المقدس، وأجبت عن أسئلتهم، وخرجنا من المسجد الساعة الثانية، ومررنا بالأسواق.