تنافس الأقران

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: حدثنا عن تنافس الأقران،

قلت: هو داء دوي، ابتلي به الناس قديما وحديثا، وهذا الذي جر أصحاب الطموح إلى قتال بعضهم بعضا وإراقة دماء كثيرة وإفساد في الأرض حتى يتغلب المتغلب، فإذا استقام الأمر له اتبعوه خاضعين له، وهم مع ذلك مراقبون له مترصدون أن يضعف فيثوروا عليه.

قالوا: عجبنا من تنافس العلماء في الحصول على المناصب والوظائف والثروات.

قلت: وما عجبكم منه؟

قالوا: هم أولو علم وبصيرة، أجدر بهم أن يتزهدوا في الجاه والمال.

قلت: هم بشر، يعتريهم ما يعتري سائر البشر من هوى وضعف في الإرادة، وقد يتذكرون الله فيتقونه ويتوبون، لما توفي الإمام الشافعي رحمه الله أراد الحميدي أن يتصدر موضعه، فتنافس هو وابن عبد الحكم على ذلك، وغلبه ابن عبد الحكم على مجلس الإمام، فنكص الحميدي عن منازعته ورجع إلى مكة المكرمة وأقام بها ينشر العلم.

قلت: وأروع شيء في ذلك قصة أفادنيها شيخنا العلامة المحقق محمد بن ناصر العجمي.

قالوا: ما هي؟

قلت: حكاية حكاها الشيخ علي الطنطاوي في كتابه (مع الناس) ص 230: نحن في صحن الجامع الأزهر في مصر، بعد المغرب، وكان شيخ الأزهر الرجل العظيم بعلمه، العظيم بمنصبه، الشيخ الباجوري (المؤلف المشهور)، وقد قعد على عادته كل عشية، وأقبل العلماء والطلبة يقبلون يده، وكان الشيخ مصطفى المبلِّط أكبر منه سنا، وكان قد نازعه مشيخة الأزهر، وزاحمه عليها، ولم يدخر في سبيل الفوز بها جهدا، فلما صارت للباجوري صار يعظه ويرعى له حق منصبه، فلما أقبل الناس هذه العشية على الشيخ لتقبيل يده اندس بينهم وقبل يده معهم، فانتبه له الباجوري وعرفه، فوثب قائما، وأمسك بيده وجعل يبكي ويقول: حتى أنت يا شيخ مصطفى؟ لا! لا!

فقال الشيخ مصطفى: نعم، حتى أنا، لقد خصك الله بفضل وجب أن نقرَّه، وصرت شيخنا فعلينا أن نوقرك.

قالوا: ما أبدعها من قصة.

قلت: فيها من معاني النبل والسمو ما بعثني على البكاء، وملأ قلبي حبا للشيخين الجليلين الباجوري والمبلط.

قالوا: ما يكون موقفنا إذا رأينا الأقران متعدين للحدود ومتباسطين أيديهم وألسنتهم بالسوء؟

قلت: استغفروا الله لهم، وانشروا محاسنهم، وتغاضوا عن مساوئهم، وقد قيل: كلام الأقران يطوى ولا يروى. قال العلامة الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة الإمام الشافعي: كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية، لا يلتفت إليه، بل يطوى ولا يروى، كما تقرر عن الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب، وتتوفر على حب الصحابة، والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله تعالى حيث يقول: “والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا”، فالقوم لهم سوابق، وأعمال مكفرة لما وقع منهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة، نقطع بأن بعضهم أفضل من بعض.

قالوا: ما مبدأ انتباهك لقبح تطاعن العلماء بعضهم في بعض؟

قلت: صحبت مرة صاحبا لنا صالحا في المدينة المنورة إلى مجلس يسمعون فيه صحيح البخاري على شيخ لهم مسند كبير، فنال بعضهم من أهل الدعوة والتبليغ، فدافع عنهم صاحبنا بما يليق بالمحل، ولكن أصر المصرون على مذهبهم من التنقص والتشنيع، فعلا صوت صاحبنا في الإنكار، واشتد واحتد، ولم أشهد في حياتي أحدا غضب للحق غضبه، فرحمته، وأجللته إجلالا بالغا، ووقع مقامه من قلبي موقعا عظيما.

قالوا: فما توصينا؟

قلت: اتبعوا الحق إرضاء لربكم، و لا تتعدوا حدودكم في انتصاركم للحق، فتنجسوا ألسنتكم بسب أو شتيمة، ويحل عليكم سخط من الله عز وجل وتبتعدوا عن رحمته، عصمنا الله جميعا وغفر لنا ورحمنا.