تفسير سورة الإخلاص

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: ما سورة الإخلاص؟

قلت: هي أعظم سورة تُعَرِّفنا بربِّنا وتصلنا به، سورة قصيرة في كلماتها ومبانيها، كبيرة في دلالاتها ومعانيها، وغير مخلية ولا مغفلة شيئا من صفات الله التي تعين العباد على التقرب إليه وابتغاء الوسيلة إليه والزلفى لديه يعبدونه ويستعينون به متوكلين عليه، لا يشركون به شيئا، وكل ما تفرق في القرآن الكريم من أسماء الله وصفاته وأفعاله وشؤونه، وغناه عن العالمين وتعاليه عليهم، وافتقارهم إليه في خضوع وذل، مسلمين له طائعين، قد جمعته هذه السورة في كلمات وجيزة جامعة، وترتيب رائع بديع، وبيان معجز بليغ.

قالوا: فسِّرها ملخِّصًا لنا معانيها.

قلت: هذه السورة كالخاتمة للقرآن الكريم في الدعوة الخالصة لله تعالى، دعوة العبادة والسؤال، وإخلاص الدعاء هذا هو القطب والمرجع للدين الإلهي الأزلي الأبدي، وقد سبقتها سور في معنى الهجرة ومقاطعة الكفر والشرك، وهي متصلة بها من جهة أنها الهجرة المعنوية القاطعة حبال الكفار والمشركين واليهود والنصارى، والناعية على أباطيلهم وأكاذيبهم وإفكهم، وهي أشد السور على النصارى ومن سار على دربهم في الإشراك بالله تعالى، وهي مشابهة لسورة الفاتحة، في أولها توحيد وفي آخرها إبطال بدعة اليهود والنصارى، وهي نائية الأغوار عميقة الأبعاد عجيبة المعاني، مستعصية على العد والإحصاء، ولعل أبرزها ثلاثة:

الأول: وحدانية الله تعالى، وكلمة “الله” جامعة لأسمائه وصفاته وأفعاله التي وردت في كتاب الله تعالى مفصلة، وقد كانت العرب في جاهليتها عالمة ببعضها، وجاهلة بأكثرها أو غافلة عنها، وأشركت به الملائكة وغيرهم، كما أشركت النصارى وسائر الشعوب والأمم ضالة الطريق السوي والصراط المستقيم، ودل إشراكها على أنها غير عابدة الله تعالى، وأنها كاذبة في دعواها في الإيمان، وأنزل الله تعالى سورة “الكافرون” إعلانا بمصارمتها والتولي عنها والبراءة منها.

وكلمة “أحد” أيضًا جامعة لكل ما يدل عليه من اللوازم، منها كونه بديع السماوات والأرض، فاطر الكون، ومرجع العالمين، ومآب كل شيء، “وهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم” (الحديد 3)، “وإلى الله المصير” آل عمران 28، و”ولله ميراث السماوات والأرض” الحديد 10، أي إن الله أحد في أسمائه وصفاته وأفعاله، له ملك السماوات والأرض، وله أنفسنا وأموالنا، وبيده قلوبنا وأرواحنا، يخلق ويفني ما يشاء، ويقضي ويقدر ما يشاء، ويفصل في الأمور بقدرته وعلمه، ما لأمره في الخلق من مرد، وهو المحيي والمميت، وهو بعد الموت محيي العظام.

الثاني: كمال الله تعالى، وهو الصمدية، والصمدية عمود هذه السورة، ومعنى الصمد: السيد الكامل الذي يصمد إليه ويعتمد عليه، وهو المقصود في جميع الحوائج، وله الخلق والأمر، وكماله نوعان: 1- تنزهه من النقائص، وكونه غنيا عن العالمين غير مفتقر إليهم، وهو الذي يعبر عنه بالتسبيح في كتاب الله وغيره، 2- وإفضاله على خلقه وإنعامه عليه، وأن الخلق فقير إليه ومعتمد عليه، وله على الأنام أياد عظيمة، وله إرفاد وإنالة وعطاء، وهو الخالق والرازق والهادي، وهو الدافع عن كل خائف، وهذا المعنى هو الذي يعبر عنه بالحمد، فهو الحميد هبة ووصلا، ومنا وفضلا، والخير أجمع ما يصنع الله لا ما يصنع الناس، وصفوة ما أعدَّ لعباده الصالحين الجنان وظلها ورفيقها، ومن جاور الرحمن في داره تمت له النعمة كل التمام، ولئن شكرنا لنشكرن لمنعم، ولئن كفرنا لنكفرن عظيما.

قلت: والصمدية غلط الناس في معناها غلطا كبيرا فاحشا، فوقعوا في المزالق والورطات، وانغمسوا في المهالك والموبقات، وأنزل الله تعالى المعوذتين بيانا لمعنى الصمدية،

قالوا: سلِّط لنا الضوء على هذا البيان،

قلت: سأفرد تفسير المعوذتين في مقال إن شاء الله تعالى.

الثالث: أنه مغاير للكون، مباين لخلقه، ليس كمثله شيء، ما هو بالوالد ولا بالولد، ولا صاحب له ولا كفؤ، وليس ثمة من نتوجه إليه حنفاء مخبتين منيبين غيره، ولا هادي سواه ولا دليل، وهو الذي نلوذ به فيما نؤمله، ونعوذ به مما نحاذره، وهو المجير من الكربات والبلايا، ويطعمنا ويسقينا وإذا مرضنا فهو الذي يشفينا، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ومن يرجى منه العفو إلا هو، ومن يرحم العباد غيره، وهو الوهاب للتقى والعزم على التقى، تعالى وتبارك، وإنه لهو الغفور الرحيم والمنان الكريم.

قالوا: ما الفرق بين معنى التوحيد الذي اشتملت عليه هذه السورة وبين التوحيد الذي يخوض فيه الفلاسفة والمتكلمون والمتصوفة مجادلين مخاصمين وممارين؟

قلت: الفرق كبير كالفرق بين السموات والأرض أو أكبر وأبعد، فالفلاسفة ومن تبعهم من المتكلمين والمتصوفة يحرصون ملحين ومصرين على أن يثبتوا مدى براعتهم في الحديث عن واجب الوجود أو وحدة الوجود أو وحدة الشهود، كلمات ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان، يأتي أحدهم فيدعي معنى من التوحيد منفردا به عن غيره، ثم يأتي آخر فيستحسن معنى جديدا ويفضله على الأول بكلام أغلبه عي، ثم يأتي الثالث وينتحل أنه أعلى منهما بيانا، والسلسلة لا تنتهي، هذا يكذِّب ذاك، وذاك يسفِّه هذا، جاعلين دين الله جدالا ومراء، ومناظرة وخصاما، وتسفيها للعقول، وطعنا في الفطرة التي فطر الناس عليها، بينما هذه السورة لا تتعرض لفلسفة ولا كلام، ولا لعقيدة وانتماء، وإنما تركز على تعريف العباد بربهم أسمائه وصفاته وأفعاله، فيؤمنوا بها، ويتقربوا بها إليه عبادة وسؤالا، ويحبوه مخبتين إليه منيبين، حنفاء له غير مشركين، فليست السورة لإحداث فلسفة ولا ابتداع نظرة مصطنعة، ولكنها تعلِّم الناس كيف يعايشون تلك المعاني السامية، لا كيف يتكلمون عنها ويجادلون بها ويتظاهرون بتفوقهم على غيرهم.

قالوا: ما الذي تعني بمعايشة معاني هذه السورة؟

قلت: هو أن نؤمن باحتياجنا إليه وافتقارنا أذلة مساكين، وأنه هو القدير على إجابتنا رحمة بنا من دون استحقاق منا، وأن لا نعمة ولا معروف إلا منه، وأنه هو الذي يستوجب شكرنا، وأنى للعباد أن يشكروه حق شكره، وكيف يُشكر ما يعيا به العدد، وكلما كان المؤمن أكثر إدراكا لمعاني هذه السورة كان أقرب إلى ربه، وأكثر طمأنينة وسعادة، ولَقربُ الله تعالى معنى دونه المعاني.

ربِّ فقهني هذه السورة، وقربني إليك، وسخرني لعبادتك، متوجها إليك بكرة وأصيلا، واشرع سبيلك في السلُو لي سبيلا، واجعل حبك وجدي، وفي قلبي منه نار جوى، غير وادٍّ بأن أفرق من وجدي ولا أن أبرد غليلي، وإني لأعد البرء من حبك رزيئة، واغفر اللهم ذنبي وسرفي، وجنِّبني أن تقتحم بي دواعي النفس معاصيك، فتحول بيني وبين النور ظلماء، وإليك رب فأرغب لا إلى ذا وإلى ذا، فأنا عبدك وأنت لي نعم المولى، ووجدتك كلما سألتك عفوا كريما، وغفورا رحيما.