تفريط العرب في كتابهم

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: أراك دائم الثناء على العرب مشيدا بمناقبهم،

قلت: العرب صفوة بني آدم، وهم شعب خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، وحملة الرسالة الأخيرة، وأمناء الله في أرضه، فليقرَّ العالَمون بفضلهم غير حاسديهم ولا منكريهم النعمة،

قالوا: فهل تعرف لهم زلة أو تنسب إليهم تقصيرا؟

قلت: ما أراني إلا ساعيا في التنويه بشأنهم وتمجيدهم، ومتغاضيا عن زلاتهم متساميا بهم أن أرميهم بتهاون أو تقصير.

قالوا: لعل تنبيهك إياهم على بعض غفلاتهم يعينهم على إصلاح أنفسهم، وعسى صلاحهم أن يؤدي إلى صلاح سائر المسلمين وعامة البشرية.

قلت: يا ليتني لم أضطر إلى ما أنا كاره له، ما أردُّ تراجعهم عن قيادة البشرية وانحسارهم عن أداء الشهادة على الناس إلا إلى تفريطهم في كتابهم.

قالوا: ماذا عنيت بتفريطهم في كتابهم؟

قلت: بعثهم الله تعالى لهداية بني آدم وإنقاذهم من ضلالاتهم، وأنزل إليهم كتابا بلسانهم المبين، وحسبهم فخرا أن يتكلم رب السماوات والأرضين بلغتهم، وكفاهم شرفا وسؤددا أن يظفروا بمنصب الإمامة دون سائر الشعوب والأمم.

قلت: وويل للعرب من شر قد اقترب، إذ تقاعسوا عن واجبهم مقصرين في هذا الكتاب تقصيرا أضر بهم وأضر بغيرهم.

قالوا: أوضح لنا تقصيرهم مفصلا إياه تفصيلا،

قلت: هم في تقصيرهم ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: قوم اشتغلوا بعلوم دنيوية متطفلين على الكفار والمشركين، ملتقطين فتات موائدهم، ظانين اقتصاص آثارهم والتسيم بسيماهم ألذ أحلامهم وأحلى أمانيهم، مجافي كتاب الله ومحجمين عنه إحجاما، بل ومتهميه بتعويقهم عن ركب التقدم والرقي، فوا أسفا على هؤلاء المرضى ضعفاء في العقول عالة على أعدائهم، أذل في عيونهم من قراد وأرذل من النعال، ولو أنهم اعتصموا بحبل الله المتين لكانوا أعز الخلق، أسمى من الثريا، وأرفع من الكواكب، ولأحبهم ما بين الشرق والغرب خاضعة لهم رقابه وخاشعة لهم جباهه.

الطائفة الثانية: قوم عنوا بعلوم حدثت في الملة مستغنين بها عن القرآن، منهم من مارس الفلسفة والمنطق والعقيدة والكلام، ومضغ الحق بالباطل، وخلط الصدق بالكذب، وتدرب على الثرثرة والتخرص، وتمادى في الإفك والهراء، لايهمه إلا ضرب المسلمين بعضهم ببعض، يكفِّر هذا ويضلل ذاك، ويبدع ويفسق، مقسما إياهم إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا التي آوته إيواء.

ومنهم من جعل الفقه أكبر همه فجرد الدين عن روحه، والفروع عن أصوله، والجزئيات عن الكليات، ورضي بقوانين ورسوم وعادات ليست إلا مظاهر جوفاء وأجسادا فارغة، وجعل الملة الحنيفية مذاهب وسبلا، فعادى أولياء الله، ووقع في الصالحين، ونال من الصادقين، وأبطل عبادة الخاشعين القانتين إذا خالفت رأيا رآه أو ذوقا تذوقه.

ومنهم من انتحل الاشتغال بالحديث، لا يهمه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسننه في الخوف والورع والتقوى والزهد، وإنما همه علو في السند أو استكثار من الطرق، لا يميز بين الصحيح والسقيم، والعزيز والغريب، والمحفوظ والشاذ، والمعروف والمنكر، والثابت والموضوع، يصحح ما ليس بصحيح، ويحسن ما ليس بحسن، ويتباهى برواية كل واه مصحف ومضطرب محرف، ويزعم أنه ممن سماهم النبي صلى الله عليه وسلم المنصورين القائمين بأمر الله، الظاهرين على الدين، لا يضرهم من خذلهم.

الطائفة الثالثة: قوم زاولوا القرآن وهم من أشد الناس عنه تلاهيا متخذيه وراءهم ظهريا.

قالوا: ألا تراك ناقضا نفسك، أقررت مزاولتهم للقرآن ثم رميتهم بالتلاهي عنه،

قلت: هو ذاك، وهم أصناف:

أناس عنوا بما يسمى التجويد والقراءات، أحدثوا مقامات وألحانا، أفسدوا معنى التجويد والقراءة والترتيل إفسادا، وفتنوا الناس بأصواتهم الغنائية والموسيقية، وترى القارئ منهم يقرأ وهو في عذاب وشقاء، وجهه يتمزق، وثوبه يتخرق، وصوته يتبرق، وتكاد روحه تزهق، وقد قال الله تعالى: “ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى”. وآخرون سلبوا القرآن موضوعه، فزعموا فيه معجزات من علوم الطبيعة والفلك والأحياء، بل ومعجزات من الأعداد والأرقام، فتلاعبوا بكتاب الله، وحرفوا معانيه، ناصبي أنفسهم مهازل للشيطان ومضاحك للولدان.

وآخرون سحروا أعين الناس بكلماته وعباراته الظاهرة، فجاؤوا بفرق بين كلمة وكلمة لم تعرفه العرب في جاهليتها ولا في إسلامها، وفضلوا أسلوبا على آخر لا دليل لهم وراء ذلك من نقل أو عقل إلا هوى متبع أو شهوة خفية.

قالوا: فما توصي العرب؟

قلت: ومن أنا حتى أوصيهم؟ بل ربهم هو الذي يوصيهم أن يعودوا إلى كتابهم الذي هو عصمة أمرهم، وهو لهم أنضر من روضة وأروح من يوم التلاقي، ويتمسكوا به عاضين عليه بالنواجذ، ومتغنين به عما سواه، فليعوه ويحفظوه، وليتدبروه ويتفقهوه، وليتبعوه ويطبقوه، فهو كتابهم قبل أن يكون كتابا لغيرهم، وهو حجة عليهم قبل أن يكون حجة على من دونهم، وهو هدى لهم ونور وإمام لهم مبين، به يعتزون ويرتفعون، وبه يستوجبون الجنان ويتخلصون من النيران، وبه يرضون ربهم رب العالمين.