تغطية المرأة رأسها

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: لا يجب على المرأة في الإسلام أن تُغطِّي رأسها في الصلاة ولا أمام الأجانب،

قلت: أَهَزَلا في موضع جِدٍّ، أم أنتم لكل حُوشِيٍّ آبِد مُقتنصون، أو لمستهجن الرأي ومرذوله لاقِطون، أو لِمَا يُمْلَى عليكم من منكر من القول وزُوْر متلقِّفون؟

قالوا: لعلَّه جرى بعض ذلك، فكُن لنا على الحق عَونا،

قلت: ألَم تقرأوا قول الله تعالى؟ “وَلْيضربن بخُمُرهن على جُيوبِهن”؟

قالوا: إنَّما وردت الآية تأمر النِّساء أن يسترن صُدورَهن،

قلت: بل إن الآية تَنُصُّ على قضيتين مجلِّيَةً لهما تجلية في غير تَعْمِيَة ولا تَعقيد إن كنتم لِصريح الحق وناصع البيان وَاعِين، ولِهدى ربِّكم وتَبْصرته مُواتين ومنقادين

الأولى أنها تُقِرُّ تغطية النساء رؤوسَهن بخُمُرهن على ما تعارفت عليه النساء الصالحات، والحكم في القرآن الكريم نوعان: أحدهما المعروف الذي تلقَّاه الصالحون والصالحات قَبولاً وتَواصِيًا ماضين عليه غير باغين عنه بدلا، لاسيما إذا أقَرَّه اللهُ ورسولُه، وبهذا المعروف انْتَهَضَت كثير من الشرائع، والثاني الوحي متلوًّا وغير متلوٍّ، ويلزم العملُ بموجبهما

وتطبيقُهما ظاهرا وباطنا، إلا إذا وقع تعارض فيقدَّم الوحي على المعروف.

والثانية أنها تأمُرهن أن يأخذْن ما تدلَّى من خُمُرهن فيضربْنَه على نُحورهن وصُدورهن.

قالوا: فَلِمَ لَم يُفْصَل الأمر الثاني عن الأول،

قلت: جمع القرآن الكريم بين الأمرين لأنهما يقترنان بجانب بعينه من الجسد، فالرأس والنحر مُتلاصِقان، وكانت خُمُر النساء واسعة قد يُلْقينها على ظهورهن، ولم يكن بأس عليهن ولا ضيق أن يُسْدِلنَ الخُمُر أنفُسها على نحورهن وصدورهن بدلاً من ظهورهن، ولو أنهن كُلِّفن أن يأخذن ثوبًا جديدا لِستر فَتَحات دُروعهن لأصابهن حرج واستعسرنه استعسارا، فَعَهِد إليهن ربُّهن أن يضربن بأغطية رؤوسهن السابغة على جيوبهن تيسيرا عليهن وتخفيفا.

قالوا: نرى أن الخمار معناه الغطاء مطلقا، غير مقيد بالرأس، فإذا غطى الصدر سمي خمارا، وكل مشتقات هذه الكلمة تشترك في هذا المعنى،

قلت: تشترك في أصل المعنى وجنسه ثم تختلف في فروعه وأنواعه، فالخمر مثلا شراب خاص يُغَطِّي العقل، ولا يراد بها مطلق غطاء، وأحسب مشكلتكم عَدَم استيعابكم طبيعةَ اللغة،

قالوا: أَبِنْ قصدَك،

قلت: إنكم تظنون أن الكلمة لا تدلُّ إلا على معناها اللغوي غالطين زالِّين، فالكلمات في جميع اللغات تستخدم لثلاثة معان: المعنى اللغوي، والمعنى العُرْفي، والمعنى الاصطلاحي (وهو العرف الخاص، مثلا المعنى الشرعي أو غير ذلك مما اصطلح عليه أهل صناعة وفن)، والكلمات تُصْرف إلى معانيها العرفية إذا كانت هي المشهورة لاسيما إذا كان المعنى اللغوي مهجورا، فالمأثور عن العرب في جاهليتها وفي إسلامها اعتماد الخمار لغطاء الرأس للنساء، وقد يطلق على عمامة الرجال،

قالوا: فما حجتك على أن الخمار معناه العرفي غطاء الرأس؟

قلت: سنده في كتب اللغة متظاهرةً على تفسيره بهذا المعنى، ويشهد به شعر العرب واستعمالاتهم قبل نزول الآية وبعدها،

قالوا: فلولا ذكرتَ شيئا من شعرهم مما يُثبت هذا المعنى العرفي؟

قلت:

قال صخر يتحدث عن أخته خنساء:

والله لا أمنحها شرارها ولو هلكتُ مزَّقت خمارها
وجعلت من شعر صدارها

صخر

وقال عوف بن عطية التميمي:

ولنعم فتيان الصباح لقيتم وإذا النساء حواسر كالعنقر
من كل واضعة الخمار وأختها تسعى ومنطقها مكان المئزر

عوف بن عطية التميمي

وقال أبو العتاهية:

ولى الشباب فما له من حيلة وكسا ذؤابتي المشيب خمارا

أبو العتاهية

والأحاديث والآثار متضافرة في إطلاق الخمار على غطاء الرأس، أخرج ابن أبي شيبة عن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت تمسح على الخمار، وأخرج النسائي عن بلال رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله يمسح على خماره والخفين. ولا يعني الخمار في النصين غطاء الجيب، ولكن غطاء الرأس، لأنه لا مسح في الوضوء على الجيوب والصدور والنحور.

قلت: لو نَدَّ نادُّ وزعم أن القرآن الكريم لم يأمر المرأة بستر بطنها وظهرها وستر فخذها بل وعورتها الغليظة، فكيف تردون عليه وبما تجيبون؟

قالوا: لا ندري،

قلت: ولكن العلماء يدرون، فيالَيتكم سألتموهم غير زاهدين فيهم ولا مستغنين عنهم استغناءًا، قال تعالى: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما شفاء العي السؤال”، لقد غَرَّتْكم عقولكم الناقصة مفتونةً بعادات أقوام وتقاليدها، وساعيةً أن تُحَرِّف سُنن الإسلام إليها، فاسمعوا أن القرآن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل على غيره من البشر، ولم يكن كساعي البريد يرمي إلى كل عنوان كتبه ورسائله، جاهلا بمضامينها ومحتوياتها غير مُبالٍ لها ولا مُكترثٍ اكتراثا، ولكنه الرسول النبي المصطفى الذي اختاره ربُّ العالمين معلِّما للناس كافة وأسوة لهم وإمامًا، وفرض عليهم طاعته غير واجدين في أنفسهم حرجًا مما قضى ومسلّمين له تسليما، فوجب الأخذُ منه والاقتداء بهداه والتمسك بتعاليمه وسننه،

قالوا: فهل في السنة من دليل على تغطية المرأة رأسها؟

قلت: أخرج الشيخان ومالك وجماعة عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيُصلي الصبح فينصرف النساء متلفِّعات بمروطهن ما يُعرفن من الغلس، وأخرج أصحاب السنن عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المرأة التي نذرت أن تحج حاسرةً (أي كاشفةً رأسها): مُرُوها فلتركبْ ولتَخْتمر ولتحُج، وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يَقْبل الله صلاة حائض إلا بخمار.

قالوا: لو حدّثتنا بِصَفوة من آثار الصحابة والتابعين،

قلتُ: روى مالك وغيره عن محمد بن زيد القرشي عن أمِّه أنها سألت أم سلمة رضي الله عنها ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: في الخمار والدِّرع السابغ الذي يُغَيِّب ظهور قدميها، وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: تصلي المرأة في ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار، وروى مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه أنها قالت: دخلت حفصة بنت عبد الرحمن على عائشة أم المؤمنين وعلى حفصة خمار رقيق فشققته عائشة وكَسَتْها خمارا كثيفا، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن ابن سيرين أنه كره أن تصلي المرأة وأذنها خارجةٌ من الخمار.

قالوا: حَسْبنا ما سردتَ لنا من الأحاديث والآثار، واذكر لنا مذاهب علماء الأمصار واختلافاتهم،

قلت: أجمعوا على وجوب تغطية المرأة رأسها، ولم يُؤْثَر عن أحد منهم خلاف في ذلك، ولو لم يبلُغ الدليلُ على تغطية المرأة رأسها من القوة ذروتَه لم يُجْمعوا هذا الإجماع.

قالوا: أوْصِنا:

قلت: أُوصيكم إذا رأيتم الناس يَبْتدعون رأيًا مستحدثًا أو يَشْتهون قولاً شاذًّا منكراً أن تلزموا الصَّالحين من العلماء ممن مضى وممن بقي سالكي منهاجهم ومقتفي معالمهم، وهذه وصيتي لنفسي، والله يتولَّى الصَّالحين.