بين تخلف المرأة وتقدمها

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: نراك تطعن في الحركات الأنثوية طعنا شديدا في غير لين ولا هوادة، مع أنها عملت ولا تزال في سبيل إزالة العقبات عن سبيل النساء، ورفع مستواهن في المعيشة، وتقدمهن، وتقليل الفجوة بينهن وبين الرجال.

قلت: قصرت طعني على سلبياتها لا أتجاوز عنها مع اعترافي بسعيها لاستلفات الأنظار إلى قضايا النساء ومشاكلهن وبذل الجهود في سبيل تطوير أوضاعهن الاجتماعية والتعليمية، فلم أبخس حق هذه الحركات ظالما لها، ولم أغال في تقدير جهودها حامدا لها بما لم تفعل، ومثنيا عليها بما لم تحقق، وناسبا إليها ما لا يعدو ظنون الظانين وأوهام المتوهمين أو هتافات الجاهلين.

قالوا: ما السلبيات التي عنيتَ؟

قلت: إن هذه الحركات قد أضرت بالأمومة إضرارا بالغا لا يعالج، وألحقت بها خسائر لا تعوض، والأمومة أكبر دور تلعبه النساء منفردات عن الرجال، وهي السبب الذي فرق الله من أجله بين الرجل والمرأة، فالأمومة شرف كبير يزيد من قيمة المرأة، ويرفع من شأنها، قال تعالى: “ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا” (سورة الأحقاف 15)، وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلىوسلم، فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك. فالمرأة هي مستقبل البشرية، تنجب الأطفال وترعاهم وتعدهم للمستقبل، وهي الواحة في صحراء الحياة، وهي الشاطئ في بحر المجتمع البشري الذي تهدده الأمواج ليل نهار، وأحضانها مدرسة تسامت بتربية البنين والبنات، وإن صدرها لمقر أسنى العاطفات.

قلت: وقد آض دورها هذا عيبا وعارا، وزراية وشنارا، فلا يقدر دور المرأة بأمومتها، بل بسراب من الجمال زائل، وبخيال من الجاذبية الجنسية آفل، وبطمع في الشهوة الجنسية قاتل.

قالوا: ألم يظلم المجتمع البشري النساء؟ إذ استغل ضعفهن واعتمادهن على الرجال، فسخرهن للأعمال المهنية في البيوت، وحرمهن العلم والمعرفة، ومنعهن من لعب أي دور ذي بال في الحياة الاجتماعية، فجاءت هذه الحركات تحررهن من حياة الذل والهوان، والتقاعس والتخلف،

قلت: لو حصل ذلك لم أكن أقل منكم إشادة بإسهامات هذه الحركات وتنويها بإنجازاتها، ولكن – مع الأسف البالغ – لم يحصل ذلك إلا في أمور جزئية بلهاء، ومظاهر فارغة جوفاء، ونعرات عاطفية شوهاء.

قالوا: ألا ترى أن المرأ تقدمت بعد أن كانت متخلفة في البيوت تعد من سقط المتاع؟ ألا ترى أنها تلعب دورها في الحياة الاجتماعية متعادلة مع الرجال شبرا بشبر وذراعا بذراع؟

قلت: عودوا إلى وعيكم، وأعملوا فكركم، فإن المتجددين الدعائيين قد سحروا عيونكم، وأعموا قلوبكم، وموهوا الحقائق تمويها، إنهم لم يرفعوا شيئا من شأنها، بل وزادوا في شقائها سالبيها بعض ما كانت تتمتع به في حياتها وتسكن إليه وتألفه إلفا.

قالوا: ماذا تعني؟

قلت: انظروا إلى تدليساتهم ومراوغاتهم، وتلفيقاتهم وتضليلاتهم: إذا طبخت المرأة لأهلها ونظفت الموائد، مطمئنة بينهم ساكنة إليهم وساكنين إليها قالوا: هذا تخلف، وإذا طبخت لغير أهلها في مطعم ونظفت موائده مضطربة البال مشوشة الخاطر متعبة الجسم والروح قالوا: هذا تقدم، وإذا قدمت الطعام لأهلها واعتنتت بأمرهم في فرح وسرور وسعادة وحبور قالوا: هذا تخلف، وإذا قدمت الطعام كمضيفة في طائرة واعتنت بركابها ترميها السهام وتهزها الأطماع هزا قالوا: هذا تقدم، وإذا تزينت لزوجها معجبة به ومعجبا بها متآلفين متوافقين قالوا: هذا تخلف، وإذا تزينت لغير زوجها ورقصت مع الأجانب عارضة مفاتنها للمفسدين وقاتلة روحها قتلا قالوا: هذا تقدم، وإذا كانت في داخل بيتها آمنة محصنة تحوطها الدروع المحبة لها الذائدة عنها قالوا: هذا تخلف، وإذا حجزت نفسها في نادى المجون والاستهتار والخلاعة والدمار تفترسها الأنظار قالوا: هذا تقدم، فيا ويل من خدع بتقليب المقاييس والموازين وعد نفسه في عداد السفهاء والمجانين.

قالوا: فماذا تقترح علاجا للمشكلة؟

قلت: العلاج ما وصفه خالق المرأة وربها، ولا سبيل لها إلا أن تعرف قيمتها وتؤدي دورها بدلا من أن تقارن نفسها دائما مع الرجل، فليس للرجل أن يتمنى ما يخص المرأة، وليس للمرأة أن تتمنى ما يخص الرجل، وقد قال تعالى: “وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا” (سورة النساء الآية32).

قالوا: وهل فضلت المرأة بشيء على الرجل؟

قلت: ألم يقل الله تعالى: “وليس الذكر كالأنثى”، فالدور الذي لعبته مريم عليها السلام لم تكن لتلعبه لو كانت ذكرا كما رغبت أمها.

قالوا: ما هو دورها؟

قلت: لها دوران: الأول كإنسان، والثاني كامرأة.

قالوا: فما هو الدور الأول؟

قلت: أن تعبد ربها فإنها خلقت كما خلق الرجل لعبادة الله وحده، والعبادة تشمل الإيمان والإسلام وسائر الأعمال الصالحة، فإنها إذا فعلت ذلك ارتفعت في عين خالقها وفي عيون الناس، ولا فرق في معنى العبادة بين الرجل والمرأة، قال الله تعالى: “ومن يعمل من الصالحات من ذكر وأنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا” (سورة النساء 124)، وفال تعالى: “فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض” (سورة آل عمران 195)، وقال تعالى: “من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون” (سورة النحل 97)، وقال: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم” (سورة التوبة 71)، وقال: “إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما” (سورة الأحزاب 35)، وقال: “ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب” (سورة غافر 40).

قالوا: ما الدور الثاني؟

قلت: هو أنها خلقت مختلفة عن الرجل لتكون أُمًّا، والزواج وسيلة لأداء هذا الدور، فعليها أن تقدر من قيمة دورها هذا، بل وعلى المجتمع أن يتعاون معها في هذا الجانب.

قالوا: فما بال النساء اللاتي لا ينجبن أو لا تسمح لهن ظروفهن للزواج أو لا يجدن من يتزوجهن؟

قلت: إذن يصبرن ويركزن على العبادة، كما يجب أن يصبر الفقير على الفقر، والمريض على المرض، والصبر من أفضل الأعمال الصالحة.

وما أحسن ما قاله حافظ إبراهيم تقديرا للمرأة كأم:

وما أحسن ما قاله حافظ إبراهيم تقديرا للمرأة كأم:
الأم مـــدرســـة إذا أعــددتــهــا
أعـددت شـعباً طـيب الأعـراق
الأم روض إن تــعـهـده الـحـيـا
بــالــري أورق أيــمــا إيـــراق
الأم أســتــاذ الأســاتـذة الألـــى
شـغـلت مـآثـرهم مــدى الآفـاق