بين الحديث والفلسفة

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: بيِّن لنا الفرق بين الحديث والفلسفة مميزا بينهما تمييزا،

قلت: لقد والاكم توفيق من ربكم إذ أهمكم هذا السؤال، فإنه مطلب خطير حقيق بأن يعار له الانتباه، وقد تمخض إهماله أو إغفاله عن تخليط فاحش عند كثيرين، ركبوا المغمضات وتجرأوا على الأباطيل والسفاهات، فعاملوا الحديث معاملة الفلسفة، ووضعوا الفلسفة موضع الحديث، ووزنوا هذا بميزان ذاك، ووزنوا ذاك بميزان هذا، ولم يهتدوا إلى الفصل بين الخبر والنظر سبيلا، وأنَّى للحق أن يمحَّص ثابتة أركانه وموطدة دعائمه إذا التبست الموازين واشتبهت المعايير وجُهلت المقاييس.

قالوا: لقد خفي علينا أمر هذا التخليط ضاربين في العشواء وموضعين في الغلواء، فعرِّفنا الحديث والفلسفة، وقِفنا على الحق الجلي وأبن لنا وجه اليقين،

قلت: الحديث نوع من الخبر، وهو إخبار الرجل بحقيقة رآها بعينه أو سمعها بأذنه، فالخبر هو المروي من الحقائق، والحقائق إما مرئية أو مسموعة أو معلومة بحاسة من الحواس، والفلسفة ما يتوصل إليه الرجل بقياس يمارسه أو عملية استنتاجية يزاولها، فالفيلسوف لا يخبر عما سمعه بأذنه أو رآه بعينه، وإنما يخبر عما رآه بعقله وفكره.

قالوا: أخبرنا بالفرق بين طريقة التثبت من صحة الخبر والتوثق منها، والطريقة الموصلة إلى إصابة الرأي والفلسفة،

قلت: الطريق إلى تحقيق صحة الخبر أن يكون المخبر صادقا أمينا في نقل ما رآه أو سمعه وضابطا له متقنا، فالخبر الصحيح إذن نقل الحقيقة على ما هي نزيهة عن كذب أو خطأ ووهم، والطريق إلى التأكد من صحة الرأي هو أن يكون منطقيا ومحصَّلا من مقدمات رتبت ترتيبا خاصا، فما يراه الفيلسوف ليس حقيقة، وإنما هو فهمه للحقيقة واستنتاجه منها.

قالوا: اضرب لنا أمثلة تميط اللثام عن القضية وتزيل الالتباس،

قلت: إذا قال رجل: يقول الله في كتابه: “هو الله أحد”، و”أليس الله بأحكم الحاكمين”، فهذا خبره عما قرأه في كتاب الله، والمطلوب أن يكون صادقا في نقله، وإذا قال آخر: “الله واجب وجوده”، أو قال ثالث: “الوجود واحد غير منقسم إلى واجب وممكن”، أو قال رابع: “الحاكمية أخص خصائص الألوهية”، فهذه الأقوال كلها فلسفات، والمطلوب من قائليها أن يكونوا منطقيين فيما يقولون، وأن يقرروا استنتاجاتهم ببراهين عقلية ومقدمات علمية.

​وإذا قال رجل: هاجر النبي صلى الله عليه وسلم مكة إلى المدينة فهذا خبر، وإذا قال آخر: “إنه هاجر ليؤسس دولة” فهذه فلسفة، ودليل هذا غير الدليل الأول، وإذا روى واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “والله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة”، فهذا خبر، وإذا قال قائل: إن الإنسان مجبور مسيّر، لا إرادة له ولا مشيئة، فهذه فلسفة.

قالوا: فما التخليط الذي أشرت إليه؟

قلت: هو تخليط المتكلمين، وكثير من المتصوفة والفقهاء، وعامة العقلانيين من أذناب المستشرقين والمتطفلين على موائدهم الكدرة الدنسة، ردوا أحاديث على أساس أنها غير منطقية، وإن كانت صحيحة لدى حفاظ الحديث متوفرة فيها شروط صحة الخبر متعاضدة، فمنهم من جحد أحاديث في الصفات أو في الأمور الغيبية على أساس أنها لا تتفق مع قواعدهم الموضوعة، ومنهم من أنكر أحاديث لأنها تخالف أقيستهم وكلياتهم وأصولهم، ومنهم من تبرأ من أحاديث لأنها تعارض مذاهبهم المصطنعة وأهواءهم والرهبانية التي ابتدعوها والغلو الذي سرقوه أو استعاروه من غير ملة أهل الإسلام.

​وقد حسَّنت أولئك الأقوام أو صححت أخبارا لصحة معانيها ومضامينها أو حسنها، وإن كانت ضعيفة الأسانيد أو واهية أو موضوعة، ومن تفلسف هذه الطوائف قولها: إن هذا الحديث ضعيف إسنادا صحيح معنى، فهذا من وزن الخبر بميزان الفلسفة، وهو قول سخيف رديء من أسخف الأقوال وأردئها، فإنه ليس لأحد أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولا إلا من طريق إسناد صحيح مقبول لدى أئمة هذا الشأن من الحفاظ المتقنين الجهابذة الأثبات، وكون كلام صحيحا معناه أو حسنا لا يجعله حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فكم من حِكَم رويت عن الفلاسفة والحكماء بل والأنبياء والمرسلين، ولم ينطق بها النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ننسبها إليه لكونها حِكَما عالية ومعاني صحيحة، واستفاض عنه “من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار”، وهو قوله تعالى في كتابه “ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا”، ولا ريب أن من افترى على النبي صلى الله عليه وسلم فقد افترى على الله.

قالوا: فما تقول في نقد المتون؟

قلت: كلمة حق أريد بها الباطل، نشرها المستشرقون واستسلم لها المغرورون المخدوعون من المسلمين عمدا أو خطأ، وفلسفوا الحديث، واتخذوا نقد المتون ذريعة لرد ما لا يوافق أهواءهم ولا تستسيغه أذواقهم المريضة السقيمة، وهم مشتتون في هذا النقد المزعوم تشتت أغراضهم ونزعاتهم وخبيث نواياهم، فيرد هذا “المفكر” مجموعة من الأحاديث، ويرد ذلك مجموعة أخرى، متعارضة أفكارهم متناقضة مناهجهم، ساخرين من العلم والهدى ولاعبين بالعقول وذوي الألباب والنهى.

قالوا: أو ليس أهل الخبر والتاريخ قد يردون أخبارا على أساس استحالتها أو غرابتها؟

قلت: بلى،

قالوا: فما للمحدثين لم يعرفوا هذا الأصل؟

قلت: قد عرفوه وطبقوه تطبيقا يبعث أهل العلم على العجب ويزيدهم ثقة بأصول المحدثين وتمكنهم من فنهم تمكنا يبلغ حد المعجزات والخوارق، فقد ضعفوا أحاديث على أساس غرابتها ونكارتها، ولكنهم لم ينحرفوا عن الجادة فلم يتفلسفوا كما تفلسف غيرهم، وقلما تجدون حديثا صحيح الإسناد، ومتنه غريب أو منكر، وما حدثت الغرابة في حديث صحيح أو النكارة إلا لخطأ يعرض لبعض الرواة أو وهم، ومن الذي لم يخطئ قط أو لم يوهم، وما أندر هذه الأخطاء، وما أضأل هذه الأوهام، وإن كان في بعضها تأويل للعلماء سائغ.

قالوا: ابسط لنا القول في نقد المتون لدى المحدثين،

قلت: سأعرض له في مقال آخر إن شاء الله تعالى، واحفظوا ما قدمت لكم واعين له، ولا تستعجلوا لغيره إن كنتم من المتثبتين طالبي الحق ولسبيله متبعين.