الكتاب المبين

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: حدِّثنا عن كتاب ربِّنا.

قلت: هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل له عوجا، يخرج الناس من الظلمات إلى النور، كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللّه، ذلك هدى اللّه يهدي به من يشاء، ومن يضلل اللّه فما له من هاد.

قلت: فعن أي شأن من شؤونه تستنبؤون؟

قالوا: لقد كثرت كتب التفسير كثرة هائلة رابية على العد والإحصاء، فلا ندري على ما نعتمد منها، وإلى ما نرجع، وبم نثق ونستند، مضطربين اضطرابا شديدا، وقلقين قلقا عظيما، غير راكنين إلى أمر ولا ثابتين عليه ثباتا.

قلت: هل أنزل ربنا كتابه إلى خلقه ليفسروه؟ وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأه على الناس فيفسره لهم تفسيركم هذا؟ لقد أسأتم بربكم الظن إن خيل لكم ذلك أو توهمتم منه شيئا؟ إنه كتاب غني منزل من عند ربنا الغني عن العالمين، وانظروا إلى كثير من كتب التفسير فقد امتلأت بالإسرائيليات والقصص الخرافية والآراء الفلسفية والكلامية والتأويلات الغريبة والمحامل البعيدة، فمثلا ذكر الإمام فخر الدين الرازي في تفسير الفتح من سورة النصر أنه فتح مكة، أو فتح خيبر، أو فتح الطائف، أو الفتح مطلقا، أو فتح العلوم، ولا يخفى على من له أدنى مناسبة لكتاب الله تعالى أن الفتح لم يرد فيه إلا بمعنى فتح مكة.

قالوا: ما دليلك على كون القرآن الكريم غنيا عن التفسير؟

قلت: قوله تعالى: “تلك آيات القرآن وكتاب مبين”، وقوله “الم، تلك آيات الكتاب المبين” (يوسف 1)، وقوله “قد جاء‌كم من الله نور وكتاب مبين” (المائدة 15)، وقوله “ولقد أنزلنا إليكم آيات بينات” (النور 34)، وقوله: “بلسان عربي مبين”، أي إنه كتاب ناصع معناه جلي مرماه ساطع تبيانه وقاطع برهانه، قرآن عربي غير ذي عوج، أعجز الفصحاء البلغاء من العرب العرباء عن الإتيان بمثل أقصر سورة من سوره في تحد صارخ ما زال ولا يزال قائما.

قالوا: اشرح لنا كونه مبينا،

قلت: الفلاسفة والعلماء إذا نطقوا بكلمة أو كتبوا جملة كانت مجرد دعوى حتى يصحبها دليل أو برهان أو شهادة، وقد يحتاج ادلتهم إلى أدلة، وبراهينهم إلى براهين، وشهاداتهم إلى شهادات. والأمر لا ينتهي إلى حد، ولكن كتاب الله مبين في نفسه، فإنه إفصاح عن الفطرة التي خلق الناس عليها وربط بينها وبين آيات الله في الخلق مع انسجام بينها وتوافق، مؤيدة لها الحواس والعقول والألباب في تناغم وتناسق، وكذلك اللسان الذي اختاره لكتابه لسان عربي مبين دخل قلوب العرب الأولين من دون إذن ولا طلب منهم، ولم يتهموا القرآن بتعقيد في اللفظ أو المعنى، ولم يتنافروا منه للكنة فيه أو عجمة، فبيان معنى القرآن وبيان لسانه لايشاركه فيهما كتاب ولا كلام. ولن يهتدي إلى ذلك إلا من تديره واتقى الله، اللهم لك الحمد على ما أنزلته إلينا هدى وبيانا ونورا وشفاء.

قالوا: أو لم يقل الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في سورة النحل 44: “وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون”؟

قلت: بلى،

قالوا: فما معناه؟

قلت: بيان النبي صلى الله عليه وسلم لكتاب الله تعالى له ثلاثة معان،

قالوا: ما هي؟

قلت:

الأول هو بيانه للقرآن الكريم بعضه ببعض، وهو قوله تعالى “ثم إن علينا بيانه”، وقد يردف الله الآيات البيانية بقوله “كذلك يبين الله آياته للناس” وما أشبهه، وما أكثر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبين بعضه ببعض، فإن القرآن يجمل مرة ويفصل أخرى، فمثلا قال: “فسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار”، وقال: “فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وإدبار السجود”، وقال: “فسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم”، وقال: “فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون” وقال: “فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى”، وقال: “وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات”، وقال: “أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا”.

الثاني هو تطبيقه لأحكامه، فوضوؤه وصلاته وصيامه وزكاته وحجه وسائر سننه بيان للقرآن الكريم، وهو تأويله، أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان النبي صلىوسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن، أي إن تسبيحه هذا تأويل قوله تعالى “فسبح بحمد ربك واستغفره”، وقال ابن عيينة: السنة تأويل الأمر والنهي، وهذا هو مراد الشافعي وغيره إذ قالوا: إن السنة بيان للقرآن الكريم.

والثالث استنباطه من كتاب الله تعالى، فكم من سننه هي فهمه لكتاب الله تعالى، واستنباطه منها، فقوله “خير القرون قرني ثم الذين يلونهم” مستنبط من قوله تعالى “والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه”، وكفارة مفطر صيام رمضان استنبطها من كفارة الظهار، لأن الظهار تحريم ما أحل الله تعالى، وتعمد الإفطار في نهار رمضان تحليل لما حرم الله تعالى، والتحليل والتحريم كلاهما مختص بالله تعالى، فسوى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في الكفارة، ولا شك أن التسوية بين المتماثلين من أفضل الرأي والاجتهاد، وهو معنى قوله تعالى في سورة النساء الآية 105: “إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله”.

قالوا: أو لم يناقض قولُك في شرح بيان النبي صلى الله عليه وسلم قولَك الأولَ الذي أكدت فيه أن القرآن كتاب مبين بلسان عربي مبين لا يحتاج إلى تفسير الناس؟

قلت: لا تناقض بين الأمرين: فإن كل كلام بيِّن يعضد بعضه بعضا، والناس ما زالوا يحملون كلام العقلاء بعضه على بعض، موفقين بينه، ومبعدين عنه الاختلاف والتجافي، فكذلك القرآن الكريم. وكل تعليم يعتمد على تطبيق، وكذلك القرآن، فالكلام مهما كان بيِّنا، يحتاج إلى تأويل، والتطبيق والتأويل أمران خارجان عن الكلام، فإنك إذا ألفت قواعد السياقة بأبين لغة لن تتكفل بتعليم الناس السياقة، بل إنهم يحتاجون معه إلى دروس تطبيقية، ولا أرى الأمر يخفى على أحد. وكل كلام بيِّن ينطقه العقلاء يتضمن معاني كثيرة جلية وخفية، وجليلة ودقيقة، ومدلولات شتى من عبارة وإشارة واقتضاء، تنكشف للمتدبر فيها، وهذا لا ينافي البيان، والقرآن الكريم بحر للمعاني لا ساحل له، وحاوٍ لحقائق ظاهرة وباطنة لا نهاية لها.

قالوا: قد استوعبنا ما ألقيت إلينا من التنقيب عن بيان كتاب الله عز وجل شاكرين لك وداعين لك بمزيد من العلم والفقه، فما توصينا به؟

قلت: أوصيكم بتلاوة آيات الله تعالى ناظرين فيها ومتدبرين إياها تدبرا، قال تعالى: كتاب أنزلنا إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب”، وقال: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها”، وقال: “أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا”، واعلموا أن التدبر مع التقوى هو الكفيل بالمنع عن التفسير بالرأي، ولم تتطرق التفسيرات الزائغة والتأويلات الفاسدة إلى المسلمين إلا من أجل الإعراض عن كتاب الله تعالى أو قلة التدبر فيه.