العيد

بسم الله الرحمن الرحيم

انقضى شهر رمضان مُهديا إلينا هـلال عيـد، متجليا بنور من الله في الصحارى والكهوف، وعلى الجبال والآكام، وفي الشوارع والبيوت، والمساجد والأسواق، تجليا كأنه مستفاد من تجلي الطور، أو مستقى من آية النور، ما ألمع ليله كأن البحار فيه سماء، والحباب فيه طوالع زهراء، وما أوضأ نهاره مستعيرا من الشمس ضياء، وما أروع درره ولآليه مزيحة الحجب السوداء، طلع الصبح فيه متطهرا بالأحلام والأماني، وتألق تألق القرآن العظيم والسبع المثاني، فليهنأ الصائمون القائمون بمقدم عيد لهم سعيد، في ثوب قشيب جديد، مبرورا صيامهم، ومأجورا قيامهم، ولينعموا بعيد الفطر زائرا أثيرا، يوما أغر من الزمان شهيرا.

يا كواكب السموات الكبرى، ذوات الشهب والأبرُج العلى، ويا ما فوقهن وما تحت الثرى، ويا جنان الأرض والربى، ويا أزهارها والرياحين، ويا جبالها الشم العرانين، ويا نسيم شواطئ البحار، ويا عنادل الأسحار، ويا ليل البدر المنير المكتنف بالنجوم، يا نفحات الربيع الغالبة للهموم، اصدقن ولا تكذبن، أما زادكن العيد بهاء، وأضفى عليكن رونقا وسناء، فتترتحن متشامخات، وتتثنين متغطرسات، وتتمايلن متخايلات.

أتى العيد واصلا بين المنقطعين، جامعا بين المتفرقين، مقربا للبعداء، مؤلفا للغرباء، مؤنسا للبؤساء مسعدا للأشقياء، وغامرا القلوب الحزينة بهجة وسرورا، ومفعما النفوس البائسة الشقية سعادة وحبورا، حيَّانا العيد يحتفل بالحب والحنان، وينعم على البشرية بالحنو والوئام، وينفخ في اليائسين الأمل، ويبعث في القانطين الرجاء، ما أغر العيد وما أبهاه، وما أوسعه معروفا وما أسخاه، يتودد إلى الخلق أجمعين يحتضنهم ويعانقهم عناقا، ويضمهم إليه وقد كانوا مشتتين أشتاتا، وما أشرفه وما أسماه ينزه القلوب من الإحن والأحقاد، والضغائن والأغلال، يتصافى فيه المتنافرون المتخاصمون المتخالفون، ويبدي فيه الهاجرون بشرهم بعد تجهيم، وهم متلائمون متوافقون.

إن البهيمية تولد آثار الدماء، وتحشو الأرض قتلا ودمارا، وفسادا وخرابا، فيجيء العيد ويغسل أدرانها ويطهرها تطهيرا، ويبدد عن الفقراء والأرامل واليتامى شجونهم وأحزانهم، ويواسي البرايا، ويبزغ بدورا في دياجيرهم، ويقشع عنهم سحب الظلام القاتم، ويخلع عنهم جلابيب الدجى، ويكسو وجه البشر طابع البشر.

العيد ملكة الربيع تدخل في البساتين فتفديها الأزهار والورود بأرواحها ومهجها، ويدنو موكب العيد طربا، والعيون وامقة، والقلوب مبتهجة، نلبس فيه حللا غضة رائعة، فيشرق الوجه الإنساني منبلجا يوما جديدا، مزدانا بألوان من الزينة وأنواع من الحلى، تصفو بها البواطن والنفوس، وتتهلل بها الوجوه غرا ميامين.

أطل علينا العيد مزهوا بطلعته، ناقلا إيانا من زمن الخيرات والبركات إلى زمن مشاهدة آثارها من الرحمن، إلى يوم الجوائز شبيها بيوم الدين الذي يوهب فيه المطيعون جوار رب العالمين، ناقلا إيانا من شهر بكامله إلى زمن لا يستمر أكثر من يوم، يوم قصير ولكنه حافل بالأفراح والنشاطات، وقول بعضنا لبعض: كل عام وأنتم بخير، يملأ الأرض تحيات وسلاما، وتهنئة وترحيبا، لا ترفع رأسك إلا إلى وجوه ضاحكة مستبشرة، وأشكال فرحة نضرة، يوم واحد يغالب في بركاته وحسناته الأسابيع والشهور.

ما أفرح الأطفال في هذا اليوم وما أجذلهم، سعداء مبتهجين، ومتهنئين مرحين، لابسين ثيابا جذابة أخاذة، موشاة بتطريزات ونقوش، ومنمقة بزخارف ورقوش، عملت فيها المصانع وأيدي الأمهات وقلوبهن، ولا يتم جمالها إلا إذ رآها الآباء سابغة على صغارهم، فيظهرون أثوابا قشبا وحلى فاخرة على الدنيا البائسة وأهلها البائسين، يستأخرون الليل، وينتبهون مبكرين، ويدوم الفجر معهم إلى المساء منبسطي الأسارير مفتخرين.

ويتدبر الكبار العيد تدبرا فيستوحون منه معاني بديعة، تستشعر الأمم من أعيادها أن الأيام تتغير، ويستشعر المسلمون أن العيد يبعث فيهم قوة لتغيير الأيام، يرفعون فيه عن الناس ضيقهم، ويؤدون للجيران حقوقهم، ويضمون الأيامى واليتامى إلى أهليهم، ويرحمون الأباعد والأجانب.

فعد يا عيد بما مضى أو بأمر فيك تجديد، فإنك تعود بضيف أثير محبوب، تعود بشهر الله، يسبقك ببركات علينا وخيرات، وتوافينا فتبشرنا بجوائز من ربنا مكرمين، وتشفي أدواء قلوب معناة ونفوس مكروبة، تعود ونتمتع بحسنك وجمالك مزيلين عنه كل حجاب وكاشفين عنه كل لثام، تطلع علينا بوجه فيه نضارة وطيب، كلما غلبنا الهم عدتنا بالسلو، يا عيد عد فابتسامتك راحة قوبنا، بك أنسنا وخلوص ودنا وصفاء حبنا، أنت تذكار طاعتنا لربنا، الأعياد لغيرنا حسو الكؤوس، والمزامير، والطنابير، والرقصات، والخلاعة والمجون، وعيدنا عبادة وطاعة، وفرح بمرضاة ربنا، ومجد وجود، “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا”.