أفضل مدرسة

بقلم: محمد أكرم الندوي

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا: اشتغلت في أوكسفورد في مشروع أكاديمي حول تاريخ العلوم الإسلامية في الهند ومدارسها ومراكزها استغرق عشرين سنة، فما هي أفضل مدرسة في تاريخ الهند الطويل على كثرة مدارسها وتنوع معاهدها واختلاف مراكزها التعليمية؟

قلت: هي دار العلوم بديوبند،

قالوا: استغربنا منك هذا القول، أصادق أنت أم من اللاعبين؟ أجاد أنت أم من الهازلين؟

قلت: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، أتريدون أن أتعصب أم أنصح؟ أَرشُد أم أغوى؟ أُجْحِف أم أُنْصِف؟

قالوا: عهدناك ناصحا راشدا منصفا، فاكشف لنا عن النواحي التي تفضِّل فيها دار العلوم بديوبند على سائر المدارس،

قلت: يحتاجُ إلى مجلدات،

قالوا: دَعْنا من مجلداتك فقد تَبرَّمنا بها، ولخِّص لنا منها نقاطا تدُلُّنا على غيرها وإنا لك من الشاكرين.

قلت: لخَّصتُها في ثلاث نقاط فاسمعوها وعُوها:

النقطة الأولى هي عناية دار العلوم بالحديث النبوي الشريف، فقد كانت المناهج التعليمية في الهند ينقصها الحديث النبوي الشريف، ولم يقرر أصحابها من كتب الحديث إلا مشارق الأنوار للصاغاني، ثم استبدلوه بمشكاة المصابيح، وأما كتب الأصول الستة فلم يضموها إلى المقررات حتى جاء الإمام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بالشاه ولي الله الدهلوي فضمَّن بعضها والموطأ المقررات، واستمر الأمر على ذلك قرنا من الزمان، وأنشئت دار العلوم فكانت أول مدرسة عنيت بتدريس الأصول الستة والموطأ بروايتي يحيى بن يحيى الليثي ومحمد بن الحسن الشيباني، وشرح معاني الآثار، وهذا فضل تميزت به من بين سائر المدارس في الهند بل وفي العالم الإسلامي بأسره.

قالوا: إنك معني بالأسانيد والإجازات، فمن تتصل بهم من علماء ديوبند المحدِّثين؟

قلت: أتصل بهم جميعًا من طرق كثيرة وأسانيد شتى، ولله الحمد،

قالوا: فما هي أعلى أسانيدك إليهم وأشرفها وأقواها؟

قلت: هي روايتي عن العلامة المحدث أحمد رضا البجنوري شارح صحيح البخاري عن حافظ الهند ومحدثها وإمامها في العلل ونقد الرجال العلامة أنور شاه الكشميري، ثم روايتي عن العلامة المحدث نصير أحمد خان البرني، والشيخ المعمر أحمد علي السورتي عن الحافظ المعمر عبد الرحمن الأمروهي.

قالوا: لقد ظفرت بأسانيد عالية شريفة مسلسلة بالأئمة الفقهاء والحفاظ المتقنين، فأتنا بالنقطة الثانية،

قلت: النقطة الثانية هي إحياؤها لسنن سيد المرسلين ونشرها، وجهادها في سبيل إماتة البدع والمحدثات،فالهند كلها كانت تحت سطوة البدع والخرافات وبطشها الشديد حتى قام علماء ديوبند فقاوموها وأزالوها، فلا نعرف حركة لعبت في إماتة البدع والمحدثات بل والقضاء على المنكرات الدور الذي لعبته دار العلوم،

قالوا: من هو رأسهم وإمامهم في ذلك؟

قلت: هو الإمام العلم الفرد التقي النقي العالم الرباني الذي لايجارى الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي رحمه الله رحمة واسعة ورفع درجاته وجعله من المقربين، أعيا الأمهات أن يلدن مثله وأعجز الزمان أن يتمخض عن شبهه، هو الرجل الذي ملئ قلبي حبا له وتقديرا، يشبه الإمامين سفيان الثوري وأحمد بن حنبل في طهارة قلبه، وقوة إيمانه، وعبوديته لله تعالى وإسلامه له، وإحيائه للسنن وإماتته للبدع.

قالوا: فهل يشبهه أحد في تاريخ الهند الطويل،

قلت: أوَ غير هذا؟

قالوا: ألححنا عليك أن تجيب لطلبتنا،

قلت: أو تُعْفُونِّي؟

قالوا: لا نعفيك،

قلت: فإذا أبيتم فلعله الإمام محمد إسماعيل بن عبد الغني بن ولي الله الشهيد رحمه الله تعالى، وأقسمت عليكم أن لا تسألوني عن ثالث لهما.

قالوا: فأت بنقطتك الثالثة،

قلت: النقطة الثالثة هي إنتاجها للعلماء العاملين الذين عمروا بواطنهم قبل أن يعمروا ظواهرهم، وزَكَّوا أنفسهم من الرذائل، وطهَّروا قلوبهم من الحسد والبغضاء والحقد والكراهية، وعاشوا حياة التقوى والورع والزهد والقناعة والكفاف، وعكفوا على العبادة وتعليم الناس وتربيتهم، وأعدوا أتباعا لهم يشبهونهم في الطهارة والعفاف، وانتشروا في كافة أنحاء الهند بل وخارجها يدعون الناس إلى عبادة الله تعالى واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم،

قالوا: سمِّهم،

قلت: القائمة تطول،

قالوا: سمِّ لنا أعلامهم.

قلت: أولهم الإمام الداعية المربي محمد قاسم النانوتوي مؤسس دار العلوم، وقرينه العلامة رشيد أحمد الكنكوهي، ثم العلامة المحدث خليل أحمد السهارنفوري، وشيخ الهند محمود الحسن الديوبندي، والشيخ عبد الرحيم الرائيفوري، وحكيم الأمة أشرف علي التهانوي، والشيخ عبد القادر الرائيفوري، والعلامة المحدث حسين أحمد الفيض آبادي المدني.

قالوا: حسبنا. ولقد سمعناك أثنيت على العلامة رشيد أحمد الكنكوهي ذلك الثناء العاطر فدُلَّنا على مصدر لترجمته،

قلت: أفضل من ترجم له هو العلامة المحدث محمد عاشق إلهي الميرتي باللغة الأردية،

قالوا: فهل له من ترجمة بالعربية؟

قلت: ترجمته في نزهة الخواطر من أجمع التراجم وأحسنها، وقد نويت أن أؤلف ترجمة له مفصلة، وجمعت المواد، فادعوا الله أن يجمع همتي ويوفقني لإتمامها،

قالوا: إنا لك من الداعين.